الرئيسية // الاخبار اللبنانية // الأخبارالعربية والعالمية // القصيرة // مقالات من الصحف// صحة// ثقافة  // فـن// أدب  //

Click here
to contact

ULINET

الثلثاء-12-آب-008

مع احترامنا الكلي لجميع الذين نضع مقالاتهم علىwww.ulinet.org
فليس بالضرورة ان يكون التعبير صادر عن هذا الموقع
+++++++++++++++         

The Elegance of Honesty Needs no Adornment
By: Labib Chemali

الحقيقة التي تجرح وحتى لا يقال كتاب النظريات مثل غيرهم

 كيف يتّسع أسبوع لغياب سولجنتسين ودرويش؟

نفور وحوافر

(مَنْ لا عقل له)

هل طريق الائتلافات  والتحالفات على أساس طائفي يدل على العافية السياسية ؟
 

داخل البيوت بلا قيد ولا شرط

 رسالة وزوبعة .

في يوم الشهيد الآشوري: سِفْر الإبادة ومنطق الرد المنصف؟

البوصلة السياسية التركية
 

هل بالغتُ في نقدي لجماهيرية القذافي اللاشعبية؟

الديموقراطية البوشية ما بين سلطة الاحتلال الانتقالية  وقتل المواطنين الأبرياء

شاعر الأرض المحتلة يرحل عنا بعيدا

 

 

 قصص واقعية من بيروت ستينات القرن الماضي
مقهى شارع البورصة القديم
ليلة في مقهى نصر و بدر شاكر السيّاب
والله اشتقت اليك يا بيروت
ابو الياس خمّة
الصحفي والفيل
العرش الممزق 
عبد الوهاب البيروتي
الورد جميل
مقهى صعب الحديث

ابو خميس والمأساة والزمن الوغد ــ بقلم جورج شمالي

بيروت  في القرن الماضي   مجموعة قصص اخرى

 

 

   قصص واقعية من  بيروت ستينات الفرن الماضي ــ قصص كتبها جورج شمالي

بيروت، مدينة السبع ابواب منذ فجر التاريخ انما الذي كتب عنها غير الذي عاشها وعايشها في ايام عزها.الأدبي والثقافي ولهذا عندنا بعض القصص التي مرت ولن تعود لأنها كانت في فترة تاريخية ظن اهاليها انها ستبقى الى الأبد ولم يدركوا ان القدر كان بيد عصابات الشر والإجرام السياسي الذين خربوها بمساعدة الغرباء والإشقاء العرب وناحوا وسرقوا وتفرعنوا باسم العدالة والطائفية والمقاومة وعبادة المال، نعم هذه الصور الكتابية تحكي لنا بيروت بعفويتها وجمالها،هذه القصة من مجموعة قصص قصيرة كتبت في النصف الثاني من القرن العشرين، منها قد كتب في المجلات والجرائد ومنها ما زال في الدرج المليء بالأوراق التي الذي فعل الزمان فيها فعلته، لكن بالحقيقة تستحق ان تقرأ لأنها من واقع الحياة اللبنانية البريئة الشفافة التي كانت سائدة في ذاك العصر، لقد اخدنا هذه القصة من مجلة دراسات عربية من ستينات القرن الماضي 

مقهى شارع البورصة القديم   كتبها جورج شمالي

 قد يظن البعض انني اعشقها، ومن قال لا، بيروت انت الحب، وانت السهر والضوضاء، وانت عروسة البحر،اساطيرك كطائر الفينيق،تصلبين ثم تقومي من تحت الركام اقوى مما كنت ان الذي لا يعرفك في ايام العز يتعذر عليه ان يصدق انك انت لذة العيش في الشوارع المزدحمة وازقتك الضيقة وبحرك الأزرق الجميل، انك الاسطورة الكبرى التي تحكي حضارة عمرها من عمر الإنسان، مار جرجس بطلك وسمي بحرك على اسمه، بواباتك السبعة من قبل الرومان وما بعدهم بقايا اعمدة طمرت في التراب اخفت معالمك واثارك التي شغلت بال مثقفي الاغريق والعرب والفرس والرومان والترك انهم يكتشفونها اليوم، اسمك بيروثا الامبراطورة الرومانية، اعذروني اقرأوا جواد بولس، فيليب حتي، احمد سويد انيس فريحة وطوني مفرج، وكبيرلبنان سعيد عقل، اما انا فلي الكلام عن شارع البورصة الذي عشت فيه ما يقارب الربع قرن.هذا الشارع قلب بيروت النابض ليل نهار،انه لا يتجاوز المئة متر انما هذه الامتار هي الحركة الدائمة كباقي الشوارع المتفرعة من ساحة البرج، اذ لم تخونني الذاكرة هناك الحلاق والصراف والساعاتي والخياط والمطعم والسينما والمختاروسوق الخضاروالسمان وبائع الزيت والزيتون ومقهى الفندق العربي الى جانب المحتال والنصاب والنائب والوزير وكل من هب ودب  وجموع غفيرة تأتي بسيارات الاجرة والباصات من الجبال القريبة ومن البلدان المجاورة حتى من وراء الحدود.

مكتب عملي في وسط هذا الشارع الذي احببت كل من فيه خليط بشر وقلوب طيبة اننا كنا نعيش في هذا الشارع ليس كأصدقاء بل كأخوة نساعد بعضنا البعض ونكمل بعضنا البعض.

وكان قد فرز هذا الشارع نخبة اصبحت عالما قائما بذاته يسمونها محترفي لعب طاولة الزهر (النرد) واجمل اللقاءات كانت في مقهى ابي طه وهو عبارة عن مدخل طويل لبناية البورصة القديمة تتوزع على جانبيه الطاولات والكراسي اما رواده الدائمين هم من اهل الشارع.

الساعاتي نقولا عبد الجليل والصيرفي اصلان واالحلاق نزار السيوفي الذي اصبح مختارا عن محلة البسطة التحتا وعبد الرحمن طبارة صاحب معمل الجبن وابو سركيس الارمني صاحب محل لبيع الاحذية وابو السعود الخباز صاحب مطعم النصر الجديد واشهر لاعب طاولة  كان في ذاك العصر  زكي عباس الاصفهاني الزبون الدائم في هذا المقهى.

كنت اقف ساعات وانا انظر الى هؤلاء المهرة في لعب النرد،وكانت تستهويني مشاكساتهم وانفعالاتهم وقهرهم لبعضهم عندما يغلب احدهم الآخر وينقسمون على بعضهم البعض في ضحك متواصل ورفيق اليوم عدو الغد وهكذا دواليك، كنت انظر الى هؤلاء فأقول في نفسي كل واحد منهم سيعيش مئات السنين حيث لا هم لهم الاّ هذه الطاولة، الى ان اخذت اقرأ أفكارهم بعد ان حدثتهم عن اعمالهم وعيالهم فعرفت ان كل واحد همه على قده كما يقول المثل وما هروبهم الى هذا المقهى الاّ لنسيان ما كان قد تراكم عليهم من مشاكل اجتماعية ومالية،تقريبا عرفت الكثير عن اسرارهم الاّ زكي عباس اصفهاني، انه رجل في اواخر العقدالسابع من عمره لا يتكلم الا قليلا لست ادري اهي طبيعته هكذا ام لغته العربية المكسرة لا تسمح له ان يشارك في كثير من الكلام وقد سمي بالاصفهاني لأن اصله من اصفهان، كنت احب طريقة لعبه واغلب الاحيان كنت اقف وراء كتفه وذات مرة نظر الي وقال ستكون من احسن لاعبي النرد،واضاف يمكنك ان تتعلم لعب النرد في مدة قصيرة  بل ستأخذك سنين طويلة حتى تصبح من المحترفين.

كنت انذاك في العشرين من عمري وكنت في بحر النهار اخطف رجلي الى مقهى ابي طه لكي انظر الى هؤلاء المهرة  حيث لم يكن عندي في ذاك الزمان الا هواية  القراءة فضفت اليها هواية لعب النرد وصممت ان اكون من الماهرين في هذه اللعبة التي اخذت وقتا طويلا مني وانا انظر الى احجار الطاولة والزهر والى الاصابع التي تقذف الزهر وكيف يُكمش الزهر حتى ينال اللاعب ما يريد، وهكذا اصبحت من اللاعبين ولكن من الدرجة الثانية اولا لحداثة عمري وثانيا ان ابا سركيس والاصفهاني وطبارة وغيرهم كانوا لا يجلسون مع الهواة، الاّ ان تصميمي زادني اهتماما ليس من باب الفضول بل لكي اثبت انني جدير بذلك.

ذات يوم وكان البرد قارصا والهواء البارد يمر مسرعا بين بنايات شارع البورصة واذا بصديقي وقريبي الشاعر والمسرحي عصام محفوظ يقول لي تعال نشرب فنجانا من القهوة في مقهى البورصة، ولست ادري ما هو ذاك السر الذي كان يجمع الشعراء والكتاب في هذا المقهى الصغير وكان يتردد دائما الى هناك شاعران عراقيان وكلايهما بعقلية مختلفة  هما احمد الصافي النجفي ومظفر النواب وما ان دخلنا المقهى حتىالقى علينا السلام الشاعر احمد الصافي النجفي الزبون الدائم كزكي عباس اصفهاني ودار حديث عن الشعر فقلت لهما المعلم سعيد عقل اغنانا بابيات لبنانية للعبتنا المفضلة.

هنا تحت كل ترابة مفاتن مجد

هنا جيل الاساطير اشهى

ولا الشمس ابهى

 أحايين يغري سهوله بفل وورد

 أحايين يلعب يغري البطولة برمية نرد (لبنان ان حكى)

ما ان انتهيت من شعر سعيد عقل حتى سمعت زكي عباس موجها اليّ الكلام، شو صرت تعرف تلعب او بعدك وزوز اي عصفور زغير، فجوابي كان اني اتحداك والشرط خمس ليرات تحت الطاولة، ولما لم يكن هناك اي لاعب هز رأسه علامة الايجاب واضاف قائلاالمشروب وترويقة الكنافة بجبن من محلات احمد خليل العريسي على الخسران فقبلت التحدي.

بالحقيقة ضربت اخماسا باسداس حيث انني لن اخسرشيء اذا لعبت معه، وكانت المجازفة سهلة لي باعتبار اذا خسرت اكون قد لعبت مع احسن لاعب في المقهى ومن ثم سيقول لاعبي الدرجة الاولى هذا الشاب لو لم يكن من الشطار لما لعب معه زكي عباس وكذلك ستكون سمعتي مقبولة عندهم،وما ان انتهت الجولة الاولى حتى بدأ اللاعبون بالتوافد وكان اولهم ذاك الخبيث ابو سركيس الارمني، وفورا بادر بالكلام هيدا زكي صار خرفان عم يلعب مع واحد من جيل اولاد اولاده وكان يهزأ مني ومنه كعادة لاعبي النرد، ثم وضع يده على كتفي وقال بلهجته الارمنية ( ولن بابا اغلب هذا زكي وانا سألعب معك) كأنه امير قبيلة او زعيم وفورا اجبته ولما هذه الشرفية والاخلاقية منك اهي تشفي بزكي عباس وعلى هرج بعد ان تجمع الصف الاول وكان منهم الهازيء من زكي والراثي لأمري وكالعادة التعليقات كثيرة بين هرج ومرج.

كنت واثقا من نفسي وكنت العب مع زكي عباس بنفس اسلوبه تماما كأنها نسخة عنه وهذا يعود الى مزاولة تطلعي على لعبه منذ زمن والايام العديدة والساعات التي اضعتها وانا اتفرج على هؤلاء اعطتني الخبرة ولكني لا انكر ان قلبي كان سريعا بدقاته وما زلت اذكر ان رجلي اليمين كانت ترقص لوحدها، بعد ان شربت فنجان القهوة طلبت من عليّ بثان وكنت ادخن بنهم غريب ومع سيجارتي الثالثة كنا قد اشرفنا ان نكون متساوين اربع حصص لي واربع مماثلة له اما الحصة الخامسة هي التي تقرر، ولما كانت لعبة النرد نصفها لعب ونصفها حظ تعالى اللغط عندما كسبتها.

 الموجودون انقسموا منهم من تشفى بزكي لأنه لعب مع واحد اقل منهم خبرة، ومنهم من كان ضدي لانهم لا يحبون ان يخسر احد رفاقهم ولا يريدون من هو اصغر منهم في ان يتحداهم يوما ما،ونظرت الى زكي عباس وكأن مقامه قد انحدر امام اللاعبين، فنظر بوجهي مليا وبرمشة مني لعبنا جولة اخرى اعادت اليه اعتباره اما انا فكسبت الشهرة ليس الاّ ودفعت ثمن المشروب ولم اعد الى ذلك المقهى الاّ لشرب القهوة فقط.

ليلة في مقهى نصر و بدر شاكر السيّاب

في العام 1962 التقيت الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي رحمه الله مع لفيف من الشعراء والادباء العراقيين واذكر منهم الشاعر الفرد سمعان الذي اهداني كتابه الشعري الاول وعبد الوهاب قد اعطاني كتاب الاطفال والزيتون ووديوان محمد مهدي الجواهري، الذي وقفت طويلا عند قصيدته ام عوف،
 وفي جلسة عشاء في مطعم نصر في محلة الروشة على شاطيء بيروت الجميل دار حديث عن الشعر الحديث والشعر العامودي، وبالحقيقة لست ادري من كان الباديء في كتابته لو لم ينتفض البياتي بعد سؤالي عن بدر شاكر السياب والذي قلت في سياق الحديث ان بدرا هو اول الكاتبين لهذا الشعر،

وهكذا مرت تلك الليلة بسلام بعد جدل قصير بعدها انتقل الحديث الى السياسة في غمرة ثورة العراق والانقلابات وعلي صالح السعدي، التي اعفتني من زلة لسان كنت بغناًعنها
وهكذا سنعيد ذكريات الشعر العامودي في لذته مع نقل بعض الاشعار لأكبرالشعراء والاول هو لبدر شاكر السياب من شناشيل ابنة الجلبي
                                                                                                جورج شمالي


ولد عام 1926 في قرية جيكور على الفرات، قرب مدينة البصرة جنوب العراق.
تنقل بين جيكور وأبي الخصيب والبصرة ثم بغداد لاستكمال تعليمه وتحصيله الدراسي ليتخرج من دار المعلمين في بغداد في منتصف الأربعينات، حيث كانت بغداد تعيش كباقي العواصم العربية انعكاسات الصراعات العالمية أثناء الحرب الثانية.
دخل السياب معترك الحياة السياسية وعانى منها الكثير فقد دخل السجن مرات وطرد من الوظيفة ونفي خارج البلاد.
صدرت مجموعته الأولى "أزهار ذابلة" عام 1947 في القاهرة وكان كتب في منفاه أجمل قصائده ومناجاته الشعرية غريب على الخليج وصهرت هذه المرحلة شعره ليتبلور فيها صوته وتكتمل أداته ويكتب ذروة نصه الشعري الذي صار يتميز به بعد رحيله.
زار بيروت عام 1960 لطبع ديوان له، وقد ساهم في هذه الفترة في الحركة الشعرية والثقافية المتمثلة بصدور مجلة شعر وحوار والآداب.
وفي هذه الفترة بالذات تدهورت صحته وصار يتنقل بين بيروت وباريس ولندن وراء العلاج وكان جمسه يهزل أكثر وأكثر حتى انكسر عظم ساقه لهشاشتها.
شكلت هذه السنوات الأخيرة بين 1960 - 1964 مأساة السياب الصحية والاجتماعية حيث عانى من الموت يحمله بين ضلوعه في المنافي وليس لديه إلا صوته ومناجاته الشعرية ممزوجة بدم الرئة المصابة، حتى مات مسلولا في يوم 24/12/1964 في المستشفى الأميري في الكويت.
أسس السياب لحداثتنا شعرا وكتب قصائد لا ماضي لها في الشعر العربي المعاصر مختطا بذلك مسارا في القصيدة العربية الحديثة سار عليه الكثيرون من بعده.
يمتاز شعر السياب بالمناجاة الغنائية العميقة والصورة البارعة التي تمتزج فيها اللغة بالرؤية وبالإيقاع في مدى شعري ممتد بين روعة الأداء وعمق الدلالة وتشابك إيماءاتها.
صدرت له المجموعات الشعرية التالية "أزهار وأساطير" و"المعبد الغريق" و"منزل القنان" و"أنشودة المطر" و"شناشيل ابنة الجلبي"

ليلةٌ في لندن   بدر شاكر السياب ( شناشيل ابنة الجلبي)

وامسِ سمعتُ في (عمّانَ) صوت الديك في الفجرِ
ومن افق المنائر في الكويت وزرقة البحرِ
اهابَ، فرمّشَ جفني بالنعاس، رنين اكوابِ
بماء البصرةِ والرقراق يسقيني
نداءٌ راح ينشره المؤذنُ ..أُطفي
ء الفانوس، رفَ ضياؤهُ رفّة
وبعثره الظلام،
وليلي الأوّاهُ في بيروت يحيّيني
ليالٍ من عذابٍ، من سقامٍ، لست انساها.
غريبا كنتُ، حتّى حين احلمُ، لست ُفي جيكور
ولا بغدادَ، أمشي في صحاري قلبي المسعور
يريد الماء فيها(...اين الماء؟). هي تريد افواها
على افاقها الربداء ظمأى تشربُ الديجور،

فلا تُروى  أأمضي العمرَ في صحراءَ، في ليل ٍ من العطش
... هكذا الدنيا:
شتاءٌ ثم صيفٌ، ليس في جيكورَ محتكرٌ
ولا فيها مصارف او جرائد: وليل كوريا
يرى شفقاً من النيران
فالنران حين تستعرُ
تضيءُ لحى الشيوخِ يحدثون، واعين النسوّة
تحدق في الطعام وترقب الاطفال في نشوة
أَعدْني يا إلهَ الشرقِ والصحراءٍ والتخلِ
الى اياميَ الحلوة
الى داري، الى غيلانَ ألثمه، الى أهلي

والله اشتقت اليك يا بيروت ـ جورج شمالي

    كلما تذكرت ذلك الشارع الذي عشت فيه ما يقارب الثمانية عشر سنة زادني شوقي الى المجتمع الخليط الذي كان متفاهما بعيدا عن السياسة والسياسيين  ، وتذكرت الشاعر احمد الصافي النجفي الذي كان يردد والله اشتقت لك يا بغداد ، وكذلك الشاعر مظفر النواب الذي اتى في اول السبعينات ولقبناه بالنجفي الثاني رغم انه ثوري الشعر بينما الصافي من الهادئيين وانا هنا في استراليا اردد والله اشتقت اليك يابيروت كما كان يردد النجفي.
 وبعد ان قرأت البياتي والسياب والجواهري وكانت الحرب العراقية قلت في نفسي الا يعقل ان يكون هناك احد الشوارع في بغداد له قيمة كبرى عند ساكنيه كشارع البورصة مثلا ، وكتبت واخذت مطلع قصيدة من بدر شاكر السياب ومن عبد الوهاب البياتي ومن ابي ربيع الجواهري محمد، واليكم       

وامسِ رأيت البدر في بغداد مودعا                        

 الى بيروت                                               مشعل حرية اليها، الى بيروت   

شناشيل واطفال البياتي والزيتون                           سلام عليها يوم بنيت ويوم اُغتصبت

والجواهري و أم عوف واولادها                           ويوم تبعث من جديد

على ارصفة العرب يتشردون                              بيروت

يا سامعين الصوت القلب مفعم بالجراح                     لا تسلي عن المرّ نشربه

الشعب  لم يغفل عن ماضيه في حكم الكباح                 نزفر الآهات الى امسك الى صخبك 

مشاريع بناء، ناموا يا جياع                                الى ملاهيك الى العود نضربه

مهما طال الليل آخره صباح                               الى تلك البقاع ومرج عيون

سوق عكاظ جبهة اعلام ، انتهت الحرب                    الى شمالك والفيحاء

والكل يعلم !...محادثة الصم صياح                         الى كروم العنب والزيتون

 هناك اهلي ، هناك حبي كلمتي سلاحي                     سيتقيؤهم التاريخ يا مدينتي 

أيعقل ان ألـقي السلاح                                     ستغربلهم الشمس وسيزول احتلالهم

والشمس وسع انفتاحها صبحا                               وسيعود نوار بعد عاصفة

تنقح التاريخ في الأفق البعيد                                وستعودي مدينة الحب

                                                            والأطفال من جيل لجيل يتذكرون

 

ابو الياس خمّة

   

 كانوا يطلقون عليه هذا الأسم،اهو لمنظره، او لوسخه،لست ادري، انما الناس كلها في هذه النقطة من المدينة تعرف هذا الأنسان، يتحسنون عليه، ينهرونه، فينظر اليهم بعين باكية شاكية يتمتم بكلمات مبهمة ويمشي، ترونه  على مدار ايام السنة  يتسكع من زاوية لأُخرى ومن زاوية لزاوية في شارع البورصة القديم، لايتكلم مع احد انما في شرود دائم

مكانه المفضل امام بائع الكازوز يحى حمزة المستأجر حائط من شركة نقليات الغزال الذي يفصل بينه وبين محلات الشمالي وكانت ساعاته المفضلة بين الخامسة والثامنة مساءَ ، يجلس على صحارة الكازوز ويسند ضهره على الحائط مكان الحفارمحمد الأيراني ، ان لأبا الياس حساسية ضد النظافة لحيته الوسخة لاتقل قرفا عن قبة جاكته المطلية بالعرق والأتربة وهذه الجاكيت لاتفارقه لا صيفا ولا شتاء كأنها مخدته ولحافه وبيته وخزانته ،يمد يده خلسة الى جيب هذه السترة الداخلية ثم ينظر يمنة ويسرى و يسحب بطحة العرق ويأخذ مصةً ويمضغ بضع حبات من القضامة الصفراء المحببة له ويعيدها الى مكانها ويطمئن عليها ،
 
 في ليلة كانت فيها الحرارة والرطوبة عالية جدا، وبيروت في هذه الأوقات تكون شبه خالية من الناس لأنهم يهجرونها الى الجبال او الى البحر،  خرجت من مكتبي متأخرا فوقع نظري على ابي الياس يبكي ويقول هي التي عملت فيي هيك خرّبت بيتي اني اشرب حتى انسى تلك المرأة واولادها وكنت اسأله السؤال تلو الآخر ولم اعطه مهلة للتفكير  خشية ان يفوق من سكره وحتى يجاوب بسهولة ،
 ـ من هي ياأخ ابو الياس فهز رأسه واجاب الله يخرب بيتها  صدقوني يا ناس هي التي خربت بيتي  كنت صحفي وكاتب وشاعر انا بعت اشعاري، حورياتي في سوق العبيد كالعواهر صدقوني ياناس كثيرون هم الذين عملوا شعراء من شعري كثيرون هم الذين اشتروا شعري وباعوه للملحنين والمغنين من اجل بعض ليرات لإشتري بها السم الهاري الذي اتناوله ، فتركته يصرخ وقد اجتمع حوله بعض الناس ومنظره لا يفارق مخيلتي ابدا، وذات يوم رأيته يجلس القرفصاء على الرصيف
عند زاوية مقهى الفندق العربي وفي يديه ورقة وقلم ويبحلق بين الوجوه ربما على وجه امرأة قد اضاعها من زمان

 

الصحفي والفيل

-          شو بتشتغل يا خال

-          - صحفي وكاتب ، فتمتم الفيل بضع كلمات مبهمة  فسأله الصحفي ماذا قلت يا معلم

-          - قلت ( وقالها بتنهد ) بتبَدل

-          -نعم شو بتعني

-          -  تبديل مهنتي بمهنتك

-           ضحك الصحفي وذهب يتمتم ليتك تعرف كيف نعيش اننا نأكل اذا رضي عنا رئيس التحرير

   

 العرش الممزق 

     

قلت لها ماذا تتذكرين من بيروت

ـ قبل الحرب طبعا؟

نعم قبل الحرب

قالت ساحة البرج بكل ما فيها من محلات تقريبا وزحمة السيارات وتمثال الشهداء والأبنية القديمة وقد نسيت الكثير منها وكانت ممرا الى عملي هي الاقرب الى باب ادريس

قلت اتذكرين ماذا كان هناك عند انتهاء المحلات التجارية في آخر سوق الطويلة

_ كان حلم جميل ذهب مع الشباحين والمليشيات والتدخل السافر في شؤون لبنان ومن قلة التدبير عند اللذين كانوا يحكمون البلد،

كانت هناك بركة الماء ونافورة الدر والعطاء على جوانبها كانوا يبعون القشطلية وكاسات الشراب والرز بحليب الممزوج بماء الزهر ، اه انها بيروت اللذيذة التي نحّن اليها، لها طعم خاص كطعم شراب الجلاب الممزوج بالزبيب

 وتذكرت شراب الجلاب ،

 قلة هم الذين لا يعرفونه من ابناء بيروت ، كان يقف عند مدخل سوق النورية امام محل الحلاق نزار وما ان تصبح الساعة الرايعة يعد الظهر حتى كنت ارى اصحاب محلات الخضار واصحاب المحلات في شارع البورصة يأتون اليه ويتلذلذون بشراب العرق سوس المزوج بالصنوبر والزبيب والثلج من يد كمال العتر

ابو غصوب بصوته المبحوح كان يٌفرغ مقهى ابو طه من زبائنه ومطعم ابو النصر ايضا حتى ان سعد الدين الفوال كان يأتي اليه مع بقية العمال ، جلابه كان يترك طعما لذيذا عند الجميع ، وذات يوم من ايام حزيران عام 56 ابان حرب السويس

غاب العتر مدة اسبوعين ليعود ثانية ليقف مكانه المعتاد وسألته اين هذه الغيبة اجاب انتهت ايام الجلاب اصبح موضة قديمة ثم غاب مدة طويلة ولم يعد فسألت سعد الدين الفوال عنه فاجاب لا اله الا الله

مرت الأيام وفي ذات المكان فتح المختار نزار السيوفي محلا للعصير والجلاب بدلا من مزين للرجال

عبد الوهاب البيروتي

     

شارع الغرائب ، هو شارع البورصة وعلى الرصيف المقابل لنقليات الغزال كان هناك موقف لسيارات النقل التي تقل الركاب الى مصايف عاليه وبحمدون وصوفر وغيرها من البلدات ، وكان هناك ايضا رجل في العقد الثالث من عمره طويل القامة تبدو عليه علامات الفقر واخذ يتمشى من زاوية محل الناكوزي حتى محل نقولا عبد الجليل يستوقف المارة ويسألهم وكما يبدو من اشارات ايديهم انهم يعتذرون له ومنهم من يمشي بدون اجابة بل ينظرون بريبة ،
 زاد هذا المشهد فضولي  وصممت ان اعرف ماذا يقول هذا الإنسان الى الناس ، نزلت من مكتبي  ومررت امامه مرتين وثلاث ولكنه لم يستوقفني وكان يستوقف غيري فأغتظت منه وسألته بربك ماذا تسأل  فقال يا سيدي انني اعرفك انك لا تأبه للفن والفنانين انما انا فنان  صوتي يضاهي صوت الملك محمد عبد الوهاب انني اتوسل للناس كي تسمع الجندول والنهر الخالد وعندما يأتي المسا من فمي ، والله اذا سمعته ستقول هذه نسخة مصورة عن الملك
ـ وهل تحب عبد الوهاب؟

ـ انني مغرم بالحانه وصوتي مثل صوته، انهم لايقدرون الفن ياسيدي، والفرق بيني وبين عبد الوهاب كونه هو غني وانا فقير

، فصافحته ووعدته انني سأسمع صوته يوما

وذات ليلة من ليالي لبنان الصاخبة في الجبل وفي احدى مقاهى ضهور الشوير وبينما كان انتباهي كله عند جليسي وهو يحدث ويدي على كأس العرق المثلج شاهدت وسمعت وطربت لعبد الوهاب البيروتي ، وذات مرة رأيت صورته في جريدة الشبكة وتحتها تعليق لجورج جرداق يقول فيه لقد شاهدت عبد الوهاب وسمعته ليل امس من فم شاب من بيروت

 

الورد جميل

     

 

الم نقل لكم شارع البورصة شارع الغرائب اليكم القصة

 ابو النصر الخباز

هو صاحب المطعم المشهور مطعم النصر الجديد، وهذه الجديد ربما كتبت قبل ان اولد ولكنها  ابدية بقيت معلقة على الحائط، وكان ابو النصر يأمر احد عماله بان ينظفوها يوميا ، وقبل ان يحج بمدة ليست قصيرة كنت واياها واخاه  ابا السعود نشرب الخمر في احدى زوايا مطعمه الممنوعة قانونيا ،
 قال ابو السعود انا عكس اخي لقد طلقت مرتين  وعلى ذمتي اربع ، قلت اني اعرف ام كمال وام رشيد وام غصوب اما الرابعة فاني كنت قد غيرت اسمها الاصلي الى ورد  وهي بعيدة عني الان وازورها كما قال سيد درويش في السنة مرة فاجاب  ابو النصر ولا ولا حتى في السنة مرة فقلت  الى هذا الحد بشعة قال ابدا كانت ورد وبعدها ورد بس كبرت في العمر وهي تكبرني بعدة سنوات انها في حمص ، ولقد غاب عن فكري ان اقول لكم ان هؤلاء الخبازين هم حماصنة وكنا ننعتهم بالهبل ، قال لك حكايتي

قال في مطلع صباي الله بلاني بشرب العرق  وها انا في الرابعة والستين وما زلت احب الكيف وكنت دائم الجلوس في مطعم ستراك ما غيره مقابل مقهى الجمهورية وكان ستراك في عز شبابه يكارمني لأني ابن مهنة مثله وكنت دائم الجلوس في زاوية هادئة حتى لا احد يعكر صفو خاطري ، وما كنت آخذ مكاني حتى كان حسين خادم المطعم يأتني بوردة حمراء  وكنت اشرب حتى ارتوي واتلذذ بالمازة والمقبلات وكنت اتحدث الى الوردة الحمراء ومرات افيق من سكري خجلا

 وفي التوقيت احيانا كانت هناك امرأة تتردد على المطعم بصحبة رجل كبير في العمر لتناول العشاء ، سألت عنهما فقيل انه زوجها  و قد يخيل للناس انه والدها ، وكنت الاحظ من طرف عيني انها تنظر الي وعندما تلتقي الأعين ادير وجهي  وتكرر هذا المشهد عشرات المرات ولكن دون ان نتحدث ابدا  ، ثم غابت  وكنت اشرب  وكأني ابحث عن مجهول ،

هل كنت اعزب

ـ نعم انني كنت اعزبا فلا طول سيرة دعني اكمل القصة .

شهران غابت  ولم اقطع الأمل وعادت ولكن هذه المرة لوحدها و كانت تلبس الأسود وما ان جلست على الكرسي حتى طلبت من خادم الطاولات في ان يأتيها بوردة حمراء و بدوري قلت  بصوت عال حتى اسمعها هل عندك ورد اسود يا انترانيك

فضحكت ، ومن ذاك الزمن منذ اكثر من خمسة واربعين سنة وهي على ذمتي ولم تنجب اولادا ، انها هناك في حمص في بيت عائلة الخباز، بشرفك اليس الورد جميل

مقهى صعب الحديث  بقلم جورج شمالي

     

مقهى صعب الحديث  بقلم جورج شمالي

بيروت يا عزيزتي، عنك ملايين الحكايات، واذ لم تخن الذاكرة سأكتب قدر المستطاع ما يتجوجل فيها، وكل القصص هي واقعية، ابطالها منهم من اتكل ومنهم لما يزل على قيد الحياة وسأنقل ما سمعت وما شاهدت والله هو الوكيل

عندما يأتي المسا والكل يذهب الى بيته كنا نجّمع بعضنا البعض لنذهب الى مقهى صعب الحديث في محلة التباريس اول الاشرفية وكان علينا من الصعب ايضا ان نجد موقفا للسيارة هناك فنضطر لوقوفها في زاروب الحرامية، ومطعم ومقهى صعب المسمى بالحديث ليس فيه أي شيء حديث الاّ اسمه ، انما بالحقيقة كانت ( لقمته طيبة) كان يأتينا بعدة صحون صغيرة مليئة بالمتبلات وصحون الكبيس  وبعض المازات  وخذ على خبريات مع كل كأس عرق وتبقى هذه السهرة عامرة حتى يكشنا صاحب المقهى في آخر الليل ، ولكن الذي كان يحيرنا وجود شخص دائم الجلوس في آخر المقهى بدين الجسم قليلا يبان على محياه انه موظف او صاحب شركة او كاتب او شاعر وكثيرا كان يحدث نفسه ولكن سرغان ما يتدارك الامر فيعود كأنه جالس فوق مكتبه ، وغي هذه الاتناء كان كل واحد منا يأخذ منا في تحليل شخصيته    ونحاول بكل شتى الوسائل ان نعرف سر هذا الإنسان لكن محاولاتنا  كانت تذهب ادراج المياه التي تكرج مسرعة ايام الشتاء على درج جعاره، وقد صممت انا وصاحبي نقولا سابا ان نكتشف لغز هذا الرجل بمعزل عن الشلة  وفي اليوم التالي كنا هناك وما هي الا دقائق حتى اتى صاحبنا وجلس مكانه المعهود وفي بضع دقائق كانت المازة امامه والأكل ، وكانت كؤوس العرق تتغير امامه لإفراطه بالشرب جورج شمالي

اخذت اتأمله مليا وصاحبي يتكلم معي ولكن عقلي كان عند ذاك الإنسان المبهم الذي يحمل سيجارته التي يتفرع منها

  خيط دخاني رقيق رقة الهواء لها اشكال هندسية تفوق روعتها رسوم سلفادور دالي السوريالية ونظرت الى وجهه فكانت نظراته محدجة لا تفارق نقطة معينة على الحائط المقابل له وكان يعض على اسنانه فتعطي اصوات صرصرة كأنها موسيقى ارام خنشادوريان في ( غن ) والآف الأحصنة الجامحة لا تقف سدا منيعا في وجه ثورته النفسية التي يسيطر عليها الغضب،جورج شمالي

 

وتتالت زيارتنا الى المقهى الذي صعب الحديث فيه مع هذا الانسان ولكن جلوسنا في نفس المكان وابتساماتنا له ومرحبا، جعلت لنا سبيلا الى الحديث ولو باختصار، ولفقت خبرية عن صاحبي نقولا وخلافه مع امرأته وكان صاحبنا قد تعتعه السكر فصرخ انا رأيتها في سيارة مع رجل لا اعرفه تكلم  ولكنه لم يكن في وعيه الكامل فطلبنا له سيارة اجرة

   وفي اليوم التالي قرأنا في الجرائد رجل يحاول قتل امرأة وهو في حلة السكر الشديد ، وحمدت الله على انه في هذه الحالة فالسكران  يُخفف عنه الجرم او بالأحرى لا يكون هناك جرما عليه ، ومن يومها لم يأتي الى المقهى وذات يوم وانا في مكتبي رأيته مع امرأة وفتاة ولا يتجاوز عمرها الست سنوات يقطعون تذاكر سفر في سيارة الباص الى بكفيا ، ومن تلك الحادثة كانت هذه القصيدة:

بيروت شتاء عام 1969     جورج شمالي

ارجوك أن تتفهمي ، والكلام صفة المتكلم      

لا تجادلي ثورة حبي اسألك أن تستسلمي       

دعي فمك يصمت وسلميه الى فمي
              

زرتني بعد غياب لتضيفي هما الى همي          

عيناك  في كل زاوية                                  

احترت بأمر ما تستعلمي                             

سرقة النظرات احلى
 متعة من سرقة الانجم

والكأس والراح وانت والغيرة تغلي دمي

ورجعنا الى أطيب ما في الحب عذابه

وأطيب عذاب هو الألم

وأطيب الإنتصارات عنوة الصعود الى القمم

لعمرك لا تنزلي هاوية وأياك زلة القدم

ارجوك ان تفهمي والكلام صفة المتكلم

لا تجادلي ثورة حبي أسألك ان تستسلمي

دعي فمك يصمت وسلميه الى فمي

جورج شمالي 17 كانون الاول 1969

ابو خميس والمأساة والزمن الوغد ــ بقلم جورج شمالي

ابو خميس ، نوري عتيق ورث النورنة من ابيه فلا يدري من  ايجيل هو الآن الاّ انه فخور بنورنته له نظريات تختلف عن باقي ابناء عشيرته ، يقول انه دخل المدرسة الى جانب عمله في بيع اسياخ اللحمة والسكاكين الذي كان يصنعها والده من المبارد القديمة  وعندما صار  في عمر يخوله العمل ترك المدرسة وكان بغاية الفرح اذ اصبح يقرأ الجريدة ويعرف ان يوقع اسمه،

تعرفت عليه في سهل البقاع يوم كنا نتصيّد المطوق على طريق خربة قنفار في السهل هناك، وزاد فضولي ان اعرف اكثر عن النور فجلست على الارض مع رفيقي وقد طاب شرب الشاي في خيمة الشعر فمّج  ابو خميس سيجارته ونفثها من بين اسنانه المتفرقة الى شاربيه الصفراوين وتمهل قليلاَ قبل ان يكمل حديثه الذي لم انتبه اليه قبلا ، والله يا جماعة الخير الأحزاب خراب ، لقد لعبوا بعقول النور وقالوا لهم يجب ان تؤلفوا حزبا اسوة بباقي الشعوب الموجودة على الأرض ، ومن يومها يا طويل العمر كسدت صناعة الغرابيل واسياخ اللحم ، الكل يريد اللعب بالسياسة ولم يعد هناك رقص بعد اليوم ولا فرح والبزق والربابة والدف اصبحوا حزانا،  جورج شمالي

          وتابع ابو خميس ، الطف يارب قالوا لنا ايضا ان تأليف حزب سياسي للنور يكفل لهم معيشة افضل وسيكون حزبا امميا سيكون النواة الحقيقية للنورنة ، أي يحق للنوري المقيم في هنغاريا او تركيا او اسبانيا او أي بلد آخر الإنضمام اليه ، وقالوا ايضا انه سيكون لنا تذاكر هوية وجوازات سفر وغيرها ، والله العظيم با جماعة من قال اننا نحتاج لهذه الأوراق ، يا عمي النوري حر طليق مثله مثل الدبلوماسي يتنقل بين الحدود بحرية ، يغني يرقص يلعب في البزق يمرح هذا هو النوري الحقيقي

 

وكانت محط كلامه (الله يستر)، الجيل الجديد لا يريد ان يتكلم لغة اجداده، ولا يريد العمل اليدوي ولا يحب الذهاب الى الحفلات ولعب البزق،صاروا جميعا يمشون على الموضة ويريدون الذهاب الى المدارس وتلفزيونات ورقص تشبيق مثل رعاية الكلاب غبرة وتخزيق ثياب، يا اخ الله يسترنا من الايام القادمة والله ينجينا اذا طلع حليب النور لأننا سنقتل بعضنا البعض

واخذت اسأل نفسي الا يعقل ان يكون ابا خميس هذا هو من نور الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، واليس معقولا انه كان بين ركاب تلك الباخرة التي رست في مرفأ بيروت في العام 1962

 بعد شهرين من انفصال الوحدة بين مصر وسوريا، اتصل بي عفيف حوماني من وزارة الداخلية طالبا مني اكثر من عشر سيارات نقل اوتوبيس لنقل ركاب من مرفأ بيروت الى دمشق ونقل  عائلات الظباط المصريين من دمشق الى مرفأ بيروت ، ولما سألت عن المناسبة لهذه التنقلات قيل لقد كان هناك تبادل ظباط وعسكريين وتبادل شعوب بين البلدين وعند انفصال الوحدة سيرجع كل شيء الى اصله ولما كان مرفأ بيروت هو الأقرب الى دمشق اختاروه لهذه الغاية ، وكان يشرف على هذه العمليات مجموعة من الظباط المصريين والسوريين وظباط من الجيش اللبناني وقد تم نقل الركاب من بيروت الى دمشق مدة ثلاثة ايام متتالية وكنت بدوري اشرف على تنظيم سيارات النقل وكل شيء على ما يرام، وفي صباح يوم الخميس وهو اليوم الأخير فوجئت بظابط من الجيش اللبناني يقول لي اياك ان يركب أي شخص في السيارات بدون علمي والاّ لن تقبضوا اجرة السيارات جميعها، فامتثلت للأمر واعطيت اوامري الى سائقي السيارات باقفالها حتى يأتينا امر من الظابط اللبناني ذو المنكبين العريضين القصير القامة بشارب رفيع يتكلم بلهجة بقاعية جورج شمالي

     وعبثا حاولت ان استفهم عن السبب وفي كل مرة كان يقول لي هذا ليس شغلك ، وسألته عن تعطيل السيارات قال ستكون اجرتها مدفوعة وسأوقع لك على جدول عندما تحضّر لي ارقامها ، فقلت في نفسي ولما لا، طالما اننا سنقبض الأجرة ولكن حشرية مني تقدمت نحو الباخرة التي تقل الركاب رايت شلة من الظباط المصريين والسوريين في جدال سيؤدي الى مشاجرة هذا الفريق يقول انهم من التبعية السورية وذاك الفريق يقول لا هؤلاء نور و ليسوا بسوريين ولم تصدق عيناي فصعدت الى سطح سيارة الأوتوبيس انا وصاحب شركة نقليات الغزال المرحوم سليمان المرّ فشاهدنا على ضهر الباخرة جماعات من النور مع اولادهم وكلابهم وقططهم ، ولمّا اصبحت الساعة الرابعة بعد الظهر طلب مني الظابط اللبناني ان تذهب السيارات ما عدا سيارتين سيبقيهم احتياط  وقد اختار سيارتان ولسؤ حظ سائقيها هما حنا الشماس وقيصر سابا واثنينهما من بلدة شكا لقد وقع الإختيار عليهما ، ولم ابق في المرفأ بل ذهبت الى مكتبي وقد قلت لهما اعملا ما يأمركما الظابط اللبناني الذي كنت اجهل اسمه بل اكتفي بالقول  يا حضرة الظابط

  في صباح اليوم التالي تلقيت الشتائم من ابو فوزي حنا الشماس ومن قيصر سابا ابو جورج وكنت امزح معهما كثيرا وبدأ كل واحد يشرح ما حصل معه ويسب ويلعن الساعة الذي اجرني سيارته لهذه الغاية فقالا : وكان الشماس اول من تكلم بقينا في المرفأ حتى الساعة الثامنة عندما طلب منا الظابط ان نحشي سيارتنا بالنور وما هي الاّ ساعة واحدة فقط حتى تركنا المرفأ ولسنا ندري لما كانت هذه العجلة وقالوا لنا طريقكم الشام كان حنا الشماس يتكلم بسرعته المعروفة وقيصر سابا يضحك ويقهقه ، اضاف الشماس الروائح كفيلة بأن تشق القلب وخذ على عواء كلاب وصراخ بسينات واولاد تجّعر وتحملنا كل هذا ولكن ما ان وصلنا مفرق قب الياس في شتورة حتى اوقفنا الظابط المذكور الذي كان ينتظرنا بسيارته وقال اتبعوني وبدلا ان نأخذ طريق الشام اخذنا طريق نبع الخريزات مشغرة ثم الى بلدة غزة قرب جب جنين وفي مكان مقفر في الليل وبسهل لا يوجد أي سكن هناك انزلنا النور وقد اعطانا الظابط قسيمة موقعة منه من اجل القبض واوصانا بأن لا نقول لأحد اين نزل النور

 

تبين لنا فيمابعد  ان ذاك الظابط يدعى سامي الخطيب المسؤول في المكتب الثاني التابع للجيش وبما ان ليس لي الجرأة انذاك للبوح بأسمه بقيت هذه الاسرار في بطني الذي فش انتفاخه عنما اصبح الكلام مباحا في عصر الديموقراطية واليوم عندما كنت استمع الى ابي خميس النوري الأصلي فقلت الا يعقل ان يكون هذا النوري من تلك الباخرة

 

                   صبية الغجر  ــ جورج شمالي

 اما هذه القصيدة التي كتبتها عن النور فكانت في مدينة ازميت قبل استنابول بمئة كليومترا لجهة انقرة  وكنت قد شاهدت ماحصل طبق الأصل

                                              

اذا مررت يا صاحبي بإحدى عجائز النور                              

سل كل قارئة كف عن قصة فتاة  الغجـر                            

الحب هنا ، من حي لحي مرّ

رأيته في الأزقة بين الناس تحت الشجر

مع سمراء خضراوية العينين

في قدها اجمل معاني الصور

ازمرلدا ……..

لم تكن مثلها في نوترودام

هي احلى صبية الغجر

تحب الهوى تمرح الحياة لها

وبأم عيني شاهدت رجل دين كفر

وذاك الغجري لا ينفك عازفا

مكشرا عن اسنانه الصفر

ولم تسكت الكمان ، حتى تهاوت

حلقة الرقص والناس والحب اندثر

وصاحب الكمان مد قبعته باسما

غريب امر هذه البشر

وسيارة الإسعاف اخذت ازمرلدا

والعبون الخضر وعمّ الضجر

 فاذا مررت يا أخي بإحدى عجائز النور
صدق كل قارئة كف عن قصة فتاة الغجر
                                           جورج شمــالي ـ إزميت ـ تركيا صيف 1968