لم يكن سكورسيزي مخرجاً سينمائياً فحسب إنما كان سيناريستاً ومنتجاً،
معلقاً سينمائياً ومونتيراً، وبين الحين والآخر ممثلاً، أما في صباه
فقد كان يحلم أن يصبح راهباً!.
إن عالم السينما وتأريخها سيكونان بائسين حقاً من دون أيقونات كلاسيكية
ـ معاصرة أمثال "سائق التاكسي"،"الرفاق الطيبون"، "الثور الهائج"، "الأغواء
الأخير للمسيح" و"عصابات نيويورك"، ذلك لأن الحماسة المشتعلة لهذه
الأفلام هي التي أيقظت الأحاسيس الهوليوودية الخدِرة وأنعشتها ثانية
بعد أن كشفت الطبيعة الزائفة والتدميرية
لأفلامها.كورسيزي، هو على العكس من بعض مجايليه ومعاصريه أمثال كوبولا
و بالما وبوغدانوفيتش وغيرهم، ظلّ يواصل خلق أفلام ضخمة، جميلة مبتكرة
ومهّمة، فيما بقي الآخرون يجترّون نتاجاتهم الماضية بعد أن فقدوا
ذائقتهم وتفردهم ولم تعد أفلامهم تمتلك تلك القوة في التأثير على الناس
والعصر. لقد عالجت أفلامه الجوانب المعتمة من حياة المهاجرين الصقليين
المتحدرين من أصل إيطالي، أولئك الذين قدموا إلى أمريكا في العقد
الثاني من القرن الماضي. إنها شخصيات غارقة في إحساس دائم بالأثم
الكاثوليكي، أناس حالمون بالسلطة، مهوسون بالمال والعنف، رجال مثيرون
للمتاعب، يعذبون أنفسهم بنفس القدر الذي يعذبون فيه ممن حولهم.
هكذا يتعامل سكورسيزي بإستمرار مع شخوص كهؤلاء، رجال كانوا أم نساء،
يعانون دائماً من أزمات حادة بسبب طموحاتهم المشروعة أو غير المشروعة
لتحقيق ما يحلمون به. أما فضاءاته الفلمية فهي محكومة ،
بقوانين صارمة وقاسية، سواء كانت تلك التي يفرضها
الولاء لرجل العصابة في أفلام كـ ( الرفاق الطيبون، عصابات نيويورك )
أو تلك الضوابط والقيود الشديدة التي لا تقل قسوة وصرامة لمجتمع الطبقة
العليا، كما في فيلم ( سن البراءة ).
الفنان الذي يعيش زمناً ليس زمنه
" إنني أنتمي إلى الماضي "، هكذا يقول سكورسيزي، شاعراً بوخزة ألم
شجية كونه موضع حسد، مقارنة بمخرجي هوليوود القدامى الذين كان لديهم
نفوذاً كبيراً عليه، أولئك الصّناع المهرة الذين إستطاعوا بتلك الطاعة
والأذعان والصبر أزاء الإذلال الهوليوودي من أن يحققوا أفلاماً مدهشة
واحداً تلو الآخر بإحساس مفعم بالسعادة.
ومع ذلك فهو، كمخرج، يشعر بالقلق أحياناً من أنه ربما يكرّر نفسه، ومن
أنه لن يتمكن مطلقاً أن يعمل أفلاماً تتوائم ورؤى مخرجي الأجيال الشابة
لأنه " ليس من هذا العالم المعاصر" كما يقول.
على الرغم من أننا لا نوافقه هذا الرأي، إلا أنه على حق، لأنه ليس من
هذا العالم المعاصر حقاً، فمخرج مثله كان على الدوام وما يزال يتطلع
نحو الأمام، ليس فقط بسبب مهارته التقنية أو أسلوبه الذي لا يحاكى، بل
بسبب أن شخصاً موهوباً مثله لا يمكن أن يكون منتمياً إلى الحاضر قدر
إنتمائه إلى المستقبل، المستقبل الذي لن يحيا أحد منا ليراه، أعني عصر
الألق الأوتوبـي، العصر الذي سيصبح فيه مفهوم ( المخرج ـ الخالق )
شيئاً مّسلماً به، حين يفهم المخرج على أنه مؤلف الفيلم، خالقه،
ومبتكره، لأنه المعماري الوحيد الذي يمتلك الحق في إقصاء أو إضافة أيّ
شيء من وإلى بنية معمار
الفيلم. على الرغم من أن هناك ميلاً للظن بشكل حاسد كئيب، من أن
سكورسيزي هو ليس في موقعه الصحيح، ذلك أن قدماه مسمرتان في الماضي فيما
يداه مقيدتان خلف ظهره من قبل الحاضر.
من الواضح جداً أن تلك الأفتراضات والظنون والأوهام كانت جلها قد وظفت
بقصد النيل من أهمية هذا الكائن المبدع، ومع ذلك فلا شيء من ذلك
الهذيان إستطاع أن يمنعه من الجلوس هكذا مسترخياً ومقهقهاً من الأعماق
حتى اللحظة.
بإيماءاته نحو الماضي وقلقه المتواصل حول المستقبل، أصبح سكورسيزي هو
البيرغماتي الأول الذي حقق جزءاً ليس بالقليل من قناعاته الخاصة، لأنه
تعّلم كيف يكون ناجحاً وسط منظومة الطحن التي تسحق كل شيء، أعني
هوليوود وصناعتها السينمائية، والدليل الجلي على صبره وثباته ومهارته
هو أنه إستطاع أن يحصل على ما يريد كفنان، وأن يحقق الأكثر مما كان
يحتاجه كأنسان. لقد كان جّده صانع سقالات بناء، أما هو فقد أصبح معماري
أفلام.
صحيح أنه يزهو بـ ( أناه ) حاله حال كل المخرجين الناجحين الكبار، إلا
أنه لم يكن يوماً شخصاً متغطرساً أو مغروراً، وما ( أناه ) تلك إلا
صورة لأعتداده بنفسه، ومع ذلك فهو يمتلك مغزىً مرحاً وضحكاً متفجراً
وطاقة مدهشة في الأستخفاف بالذات والقدرات الشخصية، لكن ذلك لم يمنعه
بالطبع من أن يكون جاداً في عمله لدرجة السكته القلبية. إنه مثل كل
البشر الفاتنين والساحرين في هذا العالم، تتضمن حياته تناقضات وتعارضات
مذهلة.
لقد ُكتب الكثير الكثير عنه، فهل هو بحاجة إلى تقديم!؟. إلا أن من
الثابت القول أن هناك شيئان وشيئان فقط كانا قد طبعا مسيرة حياة قديس
السينما هذا، فهو ينفق وقته إما في مشاهدة الأفلام التي تحتويها مكتبته
الخاصة، أو تراه يبحر رحلاته الأخراجية في مواقع التصوير مجسداً فضاءات
أحلامه على أشرطة السيللويد
فهو يعتقد إن ولادة فيلم جديد، هو بمثابة تحديث للتقاليد الأبداعية
الحية للأنسان، ولو بشكل
صفة ثالثة أيضاً يمكن أن تضاف إلى طباعه، هو عشقه
للموسيقى، موسيقى البوب، الروك، الأوبرا، والموسيقى الكلاسيكية بالطبع.
فمارتي، كما يحب المقربّون إليه مناداته، يبحث دائماً عن اللحظة التي
يمكن فيها للموسيقى والمشهد السينمائي معاً، أن يغيّرا، عبر تناغمهما،
من البنية الطبيعية للفكرة، فهو يشبّه الصلة بينهما مثل صلة البنزين
بعود الثقاب تماماً، ولعل أحد المشاهد الشهيرة التي يفضلها دائماً
كورسيزي كدليل على تلك الصلة،هو مشهد إحتراق السيارة التي تنفجر في
فيلم "كازينو" والتي كان قد إستخدم فيه موسيقى هي مزيج من فضاءات فـِـل
سبيكتور و فيردي. أما الموسيقى التي إستخدمها في فيلم "الشوارع القذرة"
فهي مستوحاة من تلك الموسيقى التي كان يسمعها دائماً تتعالى من نوافذ
البيوت المجاورة في الحي الذي كان يعيش، كما يقول. ثيلما سكونميكر (
المونتيرة التي عرفته منذ سنوات الدراسة أواسط الستينات في المعهد
السينمائي التابع لجامعة نيويورك، والتي قامت بمونتاج جل أفلامه
تقريباً، لعل آخرها فيلم "الطيار") عنه تقول: "الشيء المميز عند مارتي
أنه يحمل في خزين ذاكرته قطعاً موسيقية كان سمعها منذ ثلاثة أو أربعة
عقود مضت، إلا أنه يتذكرها بدقة وحساسية الموسيقي تماماً، ويعرف كيف
يوظفها في الفيلم، بل لا أبالغ إن قلت أنه كان يعرف أين يضعها بالتحديد
في كل مفصل من مفاصل الفيلم. إنه يمتلك ذاكرة قوية جداً، ذاكرة
فوتوغرافية إذا جاز لي القول، فهو يتذكر القطعة ومتى سمعها.
لقد أخبرني مرة حين كنا نعمل على إحدى القطع
الموسيقية أنه كان قد سمع تلك القطعة في طفولته في دكان لبيع النقانق
حين كان ذاهباً مع والدته للتبضع. ومع ذلك فحين يدخل مارتي غرفة
المونتاج يكون قد جلب معه ستة أو سبعة قطع موسيقية، نقوم معاً بتجريبها
لفترات طويلة مع المشهد لنختار الأفضل في النهاية ".
إن حساسيته الموسيقية يمكن أن نعثر عليها متجلية في عدد من أفلامه،
ولعل فيلمه ال