بقلم زكية خيرهم الشنقيطي

احتاج إلى طبيب نفسي
دخلت إلى عيادة الطبيب
الذي
أجلسها على أريكة واسعة ومريحة. كانت متذمرة من نفسيتها التي تتذبذب
بين الضعيفة و القوية، الرقيقة و القاسية.... يا إلهي ماذا حصل لي؟ هل
أعاني من مرض نفسي..؟ هل أحتاج إلى طبيب نفسي؟
إغرورقت عيناها بالدموع . صوتها مخنوق يخرج على شكل شهقات. أنا لست
طبيعية أثور غضبا وأبكي حرقة حين أتذكر بعض الأشياء.
- سأعطيك حقنة مهدئة تهدىء من روعك وبعدها يمكننا أن نواصل حديثنا.
جلس الطبيب على كرسي مقابل أمل ، نظر إليها بابتسامة دافئة جعلتها تشعر
بهدوء. – ما هي الأمور التي تثير غضبك؟
لم تعرف كيف ستبدأ حكاية عشر سنوات من المرارة والأسى والسلوك المزدوج
لانسانة كانت يوما تعتبرها صديقة.
- لم تكن تطيق من يحيط بي من جيران، ولا يعجبها الحي الذي أسكن فيه،
حيث به أشكال في نظرها حثالات تعيش عالة على المجتمع بدون عمل. شياطين
ظالمين، يسرحون ويمرحون في كيل السوء والتجني وإيذاء الناس.
- هل صديقتك لها وظيفة تشغلها؟
- لا، حاولت كثيرا لكن مؤهلاتها لم تسمح لها. لم تكن تحسن لغة البلد،
كما أنها في سن يتقاعد فيه المرء عادة.
إن جاءت عندي جارة كانت تقلب شفتيها متأففة منها. كنت أشعر بالحرج ولا
أعرف كيف أحسن التصرف. واجهتها مرارا بسلوكها وقذفها للناس بالسوء في
بيتي. تعبت من زياراتها المستمرة طيلة السنة. كنت أترك أعمالي لأتفرغ
لسماع تشاؤمها من الحياة، وسماءها الداكنة التي تشبه السأم، وعن
ذاكرتها القاحلة والملونة بالحزن مع طليقها "الطاغوت".... وعن الطوفان
المخيف من الجحيم الذي يمزق أحشاءها وعن حلمها المخنوق الذي يتهاوى
فوق الألم. عن سعادة أجهضها بدوي متخلف هو وأهله، فتركها تائهة في سراب
الحياة تلملم الكوابيس في الليل. وهي المتمدنة المسالمة التي تحمل بحرا
من الحب للعالم، تعشق المسيح ، لكنها تسب خالقه إن غضبت. هي الوديعة
الرقيقة التي أغلق عليها ذلك المتسلط باب السعادة فتكسرت وانهارت هي
المتمدنة وأهلها. لم تترك أحدا إلا وقذفته بلسانها السليط، باطنها
مملوء بالعدوانية، كل من انتقد قدراتها تدعو عليه بالموت، وكأن الله
حاضر لاستقبال دعوات سمها وتنفيذها فورا ، هي تعتقد أن الله العظيم
ياتمر بأمرها فلا تكف عن دعوات الموت والقتل وتالمرض لكل من لا يعجبها
من الذكور والإناث! ما يثير دهشتي انها تنتقد وتلعن أناسا لم تلتق بهم
في حياتها، فقط أنها سمعت عن قدراتهم ونجاحهم من أصدقائها الذين
ينتقدون تقاعسها. وعندما لا تستطيع أن تنفد رغباتها، ينعكس ذلك في
كلامها وانتقاداتها للآخرين. مع العلم أنها أنسانة ضعيفة الفعالية في
كافة مجالات الحياة، في الحياة الزوجية كانت هي الملاك الضحية تحت
براثين طاغوت شرير، كان السبب في احباط تقدمها. وعندما أواسيها
وأشجعها بأن الخير إلى الأمام. تجيب، "يا أختي ، ما يهمني الآن هو
الاستمتاع بأحفادي. فلم الحسرة إذا وكثرة اجترار الماضي والندم عن عدم
الوصول إلى ما كانت تصبو إليه؟ يؤلمها من ينجح ويتفوق، تريد أن تفعل
مثله، لكنها مشلولة لا تتقدم، بل لا تعرف طلايقا للنجاح لأنها لا تفعل
ما يضعها على بداية ذلك الطريق، فتضيع وقتها في السباب والافتراء
والطلب من الخالق بموت وقتل ومرض أي ناجح لا يلبي طلباتها التي هي
غالبا محاولات للوصول لبداية طريق النجاح .
ولأن ليست لها وظيفة فهي تجرجر أقدامها من بيت إلى آخر، ترتبتهم حسب
أيام الشهر، وحين تزورني، تطلب مني ألا يعرف الآخرون أنها كانت في
زيارتي. فلماذا تتسلل ناقلة أخبار الناس تجترها في بيتي وتضيع وقتي؟
كانت تزوني مرات في الأسبوع وتمكث في ببيتي من الصباح إلى آخر الليل ثم
تشكو أنها لا تستطيع أن تنتج. كيف لشخص يقضي أيامه كلها من بيت إلى
آخر أن ينتج شيئا؟ من يوعظها، تبغضه، وتنتقده. ومن يواجهها بكلمة الحق،
يصير على لسانها، تقذفه بكل أنواع الذم وتقوله كلاما عن الآخرين. دائمة
الشكوى والعتاب والنقد الهدام، فكان ذلك دائما ينعكس عليها في محيطها.
أكاد أجن، من هذا السلوك يا دكتور.