مآسي الزهور
والانسان هل من يقدر؟.....
كتبها جورج شمالي
كيف تتم صناعة العسل في لبنان، اما ماء الزهر
فقاتل وخمر العنب يحي الانسان
مصائب قوم عند قوم فوائد
والحسد والغيرة ليست بين البشر فقط انما ايضا
بين الزهور
هناك في وادي نافورة الدر والعطاء، وقبل الوصول
الى مطلع جبل الحبلاس والزعتر، تلال رسمتها الطبيعة في حواكير
ورباعٍ مليئة بالورد الجوري والبيلسان ،
وعادة في ايام الربيع عندما تكثر روائح الزهور
فيـشم المرء عطر المنافسة بين الزهور، ويحدث ان تكون هناك
شتلتان قريبتان فتتعانقا والله اعلم اذا كانت هذه القبل اخوية؟...
فتغار منها ذات الأشواك ولا تقدر
ان تصل اليها فتنتقم من نفسها وتنتحر بشوكها،
عندها تزعل الطبيعة وتهب رياح ناعمة مخملية شفافة فنأخذ رحيقها
وتذرفه على الآس والطيون فتتلقفها النحلات وتأخذها الى القفير
ثم تأتي الأيادي الخشنة فتعصر الشمع الاصفر ليخرج سائل الحياة
المسمى عسلا فيكون دواء لبني البشر
اما ماء الزهر فهو كذاك الطبيب الذي يجني ثروته
من مآسي الناس.
والقتل في الارحام حرام،
من الفيحاء حتى الناقورة على طول الساحل
اللبناني، بساتين على مد النظر ومعارك ضارية بين الايادي
الخشنة واشواك شجر الليمون فتقطف الزهور بالارحام وتتساقط في
سلال حيث يجري حشوها في غلايات يدعونها كركة التقطير، انه
الجحيم الذي لا يرحم ، لكن هذه الزهور كانت قد اقسمت
انها ستغفر لمن قطفها واساء اليها، وانها ستكون القطرات التي
تعيد الحياة الى الذين يذهبون في غيبوبة من العناء فتعطي
دمائها في ماء الزهر لتنعش القلب،
فبربكم قولوا لنا من اخترع هذا الدواء الشافي
اليس الانسان اللبناني الذي بدوره اخترع الخمر من العنب
انه كالطبيعة التي تداوي نفسها بنفسها في دورة
الحياة والزمان.
منذ ان خط اول
حرف بالتاريخ وعرف سكان شرق المتوسط الخير من الشر ضحكوا على
مسرحية آدم وحواء وأكل التفاحة وارادوا ان يموهوا عن انفسهم
واخترعوا من عصير العنب سائل اطلقوا عليه حليب السباع
في آخر الصيف عندما يكون العنقود قد اصفر لونه
كالذهب، هناك عند كل منعطف وكوع في الجبال دوالي تتدلى منها
الحبيبات لتكون جاهزة ليس للأكل فقط انما تغسل وتضع في براميل
كبيرة للعصر ثم الى غلايات التقطيير لتصبح كحولا ليس له طعم
سوى حريق في الحلق والبلعوم اذا شربه الانسان ،اما اللبناني
الذي عجنته الايام والسنين والقرون كان قد فكر قبل علم
الفيزياء ان يجعل من الكحول مشروبا فضاف اليها حبات اليانسون
وقطرها معا فاصبحت مشروب المآدب والحفلات والفرحين والكآئبين.
هذا المشروب اطلق عليه اسم (عرق) والله واعلم
من اي جذر مشتق ربما مشتق من جذر عَرِقَ حيث الكركة
يتصبب منها العرق من الغليان فتقطره كالندى
وبعد عمليات التقطير مرات ثلاث تكون صافية
رقراقة اذا ماضفت اليها بعض الماء فتصبح لونها كالحليب ولا عجب
اذا هذا اللبناني نراه يغني العتابا والميجانا وابو الزلف
ويخترع الكلمات في اشعار زجلية فتصبح خليطا من الطبيعة ومشروب
يعبيء الدماغ فتأتي صورا بالكلمات مرتبة مسجعة بقافية عامية
فيزيد الى الطرب رونقا ولا ابهى
كل هذه العمليات التي تكلمنا عنها نراها اليوم
مصففة بالقناني على رفوف في محلات السوبر ماركت من عسل وماء
زهر وعرق فتشتريها الايادي الناعمة لكي تتلذلذ بها التي ليس
عندها فكرة كم من الوقت وكم من التعب اخذت من وقت انسان كان
فخورا بعمله
فشكرا الى هذا اللبناني الف الف شكر