Contact us

Beirut Time    

المقـالات

ألأولـى

الأخبار القصيــرة

 من الصحف  دراسـات صحـة فنون آداب

14/02/2010

سسننشر الخبر عند حدوثه          سسننشر الخبر عند حدوثه     سسننشر الخبر عند حدوثه     سسننشر الخبر عند حدوثه 

Sawt el mada

 
   
   
   

..........................................

   
 
   

 

   

 

   

 

   


 

 

أ.د. سيّار الجميل2   

الخروج من سجون العصور الوسط

" العقل محرك ثورة الشك في كل الأشياء "

ديكارت : " مقال في المنهج "

رواسب العصور الوسطى :

لقد انتهت العصور الوسطى بأحقابها الثلاث الطويلة التي دامت قرابة 1500 سنة . وعدّ المؤرخون الأوربيون سقوط القسطنطينية عام 1453م ، حدّا فاصلا بين العصور الوسطى والعصر الحديث . بدأ العصر الحديث منذ تلك اللحظة الزمنية الصعبة التي حوّلت التاريخ البشري سياسيا بسقوط عاصمة الكنيسة الارثودكسية المسيحية ، ولكن هل بدّل العالم فجأة عقليته القديمة بعقليات جديدة ؟ أم أن تلك الصدمة ، كانت سببا من أسباب تغيّر العالم الذي تبلور لاحقا ؟  هل كانت تلك اللحظة التاريخية بداية حقيقية لمشروعات الاستنارة والوطنية والسلم العالمي .. الخ أم أنها كانت حلقة في سلسلة الصراعات الدموية التي كانت تنهش حياة المجتمعات الأوربية ؟ وإذا كانت حروب المذاهب والأديان قد تضمنّتها مجازر مهولة ومرعبة بين الكاثوليك والارثودكس وبين الكاثوليك والبروتستانت ، فكم استغرقت من أزمان حتى انتهت ؟ .لقد عاشت أوروبا تاريخا بشعا من الانقسامات التي أذكتها أنواع الحروب الدينية .. وكلها حروب خاضها المسيحيون الغربيون باسم الإنجيل ـ كما يقول المؤرخ الفرنسي اودن فالييه في آخر كتبه ـ ..

لقد كانت أجواء العصور الوسطى المكفّهرة ، مشحونة بالحروب الصليبية ضد المسلمين ، وبالكراهية المقيتة لليهود وملاحقتهم .. وما جرى عند نهايات القرن الخامس عشر ، وخصوصا لما استعادت الإمبراطورية الكاثوليكية في اسبانيا ممتلكاتها من أيدي المسلمين وعاملتهم بقسوة متناهية وعانى المسلمون واليهود من أقسى أنواع الاحكام التي أصدرتها محاكم التفتيش الدينية .. وبنفس الوقت كان العالم الإسلامي بكل ممالكه ودوله ومجتمعاته يعاني من انقسامات وحروب مذهبية وطائفية واجتماعية .. أججّتها عدة أسباب سياسية واقتصادية . هنا ، ينبغي القول أن الحروب الدينية برمتها ، كانت ذات أبعاد اقتصادية بالنسبة للدول المتصارعة ، وذات أبعاد اجتماعية وسايكلوجية  للمجتمعات المنقسمة إلى حد يمكنني القول بأن الصراع الديني كان سببا لاختلاطات عديدة وشنيعة في كل المجتمعات التي اجتاحها مثل هذا الوباء الذي استمر على امتداد العصر الحديث بفعل ما تركته العصور الوسطى من بقايا وإفرازات استمرت مؤثراتها حتى اليوم .. أي بمعنى أن العالم ، صحيح قد خرج من أثواب العصور الوسطى ، ولكن لم يزل يحمل قيمها وعقائدها .. ليس كترسبات في الذاكرة والمشاعر الجمعية ، بل كثوابت راسخة في العقل والسايكلوجيات الفردية ـ كما يقول عالم الاجتماع الألماني اوبنهايم ـ ..

 

مبادئ التغيير وحركة التاريخ

عندما وصل كرومويل إلى السلطة في لندن في القرن السابع عشر ، انتقم من الكاثوليك انتقاما مروّعا . وقال لجنوده كلمته الشهيرة المرعبة: أقتلوهم جميعا، فالله يمّيز بين عباده الصالحين. بمعنى : اقتلوا الصالح والطالح فيهم ، وان الله يتكّفل بالباقي ، ويدخل إلى الجحيم من كان طالحا منهم ، ويدخل إلى الجنة من كان صالحا منهم ، هذا إذا كان موجودا ! ويتردد مثل هذا الكلام ، ولكن من قبل متعصبين إسلاميين اليوم يقولون بمشروع قتل للجميع ، حتى تحقيق الهدف ! أو يترجم مثل هذا الكلام اليوم ، ولكن من قبل قادة حروب معاصرين ، يقتلون الناس الأبرياء ، أو تقصف طائراتهم أحياء كاملة من اجل هدف محدد ، وربما تافه ! إن العنف الطائفي في ايرلندا قد تضاءل كثيرا في السنوات الأخيرة ، ولكنه حقيقة تاريخية معاصرة تعّبر عن سخط طائفي بأدوات سياسية ، وقد عاشت انكلترا مرحلة تفجيرات وحشية ذهب ضحيتها أبرياء ونسوة وأطفال وشيوخ .. وربما كان العنف الطائفي في العراق اليوم أقسى وأمرّ معبرا عن سخط اجتماعي تأجج بفعل عوامل سياسية ما كان لها أن تكون .. لولا إثارتها عن عمد وسبق إصرار وترصّد !

إن المبادئ شيء وحركة التاريخ وأفعال البشر وأحقادهم وضغائنهم شيء آخر .. وان البشر ليسوا أوفياء لمبادئ دينهم ، كما قد نتوهم كثيرا ! فما يعبّر عنه طائفيا على ارض الواقع في مجتمعات منقسمة لا يمّت بأية صلة إلى الدين الأصلي الذي انبثقت عنه تلك المذاهب والطوائف والملل والفرق والأحزاب والتكتلات والتفرعات التي اشتعلت بينها الصراعات باسم الدين مرة واحدة ، فكل فئة تنازع الأخرى على القوة التاريخية ، أو السلطة السياسية ، أو المصالح الاقتصادية ، أو الأعراف الثقافية .. إن الخروج عن مضامين العصور الوسطى حالة صعبة جدا بالنسبة لمجتمعات انغمست في نزوعاتها  العقائدية ، وهي لا ترى الأصلح  إلا من خلالها ، ولا يمكنها أبدا أن تنفصم عنها ، خصوصا إذا ما وجدت نفسها تمتلك عوامل الدفاع ، إذ تعتبر نفسها دوما مقهورة ومظلومة ومسحوقة ومهمشة .. وتجد في الآخرين أعداء لها ، فهي تنازع الآخرين من اجل الحفاظ على كينونتها .. ليس إلا ! ولن ترضى بأية بدائل أخرى .

 

تناقضات صنعها الهراطقة

إن ما شهدته المجتمعات الأوربية قبل خمسة قرون لم تشهده بعد مجتمعاتنا الإسلامية .. إن الخروج عن تقاليد الهرطقة ، ولد منذ العام 1517 عندما برز في الكنيسة نفسها احد الكهان واسمه مارتن لوثر ليصنع قطيعة تاريخية ليس مع الدين ، بل مع أولئك الذين احتكروا الربوبية وتحكموا بالسلطة من خلالها .. فانتصر عليهم ! لقد تحدّى مارتن لوثر الكرادلة والكهنوت وعصمة البابا القابع في روما .. قائلا : " وحده كلام الله هو المعصوم " .. هنا فتح الرجل أولى مغاليق أبواب العصور الوسطى للخروج إلى زمن جديد انطلقت فيه كل الفلسفات، وثارت فيه خضمه كل الثورات والانتفاضات ، وتراكمت على امتداد التاريخ الحديث كل الأفكار ، وتوالت على امتداد خمسة قرون كل مراحل تكوين الحضارة البشرية الحديثة بدءا بالاستكشافات الجغرافية وانتقالا إلى الإصلاحات الدينية في القرن 16 ، ومرورا بالثورة الماركنتالية ( = التجارة العالمية ) في القرن 17 ، وإحياء للأفكار وإبداع الفلسفات فسمي الزمن بعصر الأنوار في القرن 18 ، ووصولا بالثورة الصناعية والاستعمار في القرن 19 ، وانتهاء بالثورة التكنولوجية وعصر القوة في القرن 20  ، وقفلتها بثورة المعلومات والمعرفة في القرن 21 . هذه المراحل كلها لم تمر بها مجتمعاتنا الإسلامية  ، بل عاشت تناقضاتها ، ولم تزل لا تعرف أي طريق تسلك وهي تشهد ردود فعل ما تلقيه عليها منتجات هذا العصر ، وهي متشبثة ، ولم تزل بهرطقاتها ، ولم تزل تخشع من كهنوتها .. ولم تزل تتحكم فيها سلطات ترهبها باسم الدين يقوم عليها رجال دين لا علاقة لهم بأي دين !

مارتن لوثر لم يكن ثوريا ولا فوضويا على عكس توماس مونتزير الذي أشعل حرب الفلاحين في ألمانيا باسم ثورة الشعب والجياع ، فخالفه لوثر ، فكانت مجزرة قطع فيها رأس مونتزير والآلاف المؤلفة معه ! معنى ذلك أن المجتمعات مهما بلغ بها العصف في الحياة ، فهي لا تريد أن تنفصل عن واقعها مباشرة ، بل ينبغي أن يأخذ التغيير زمنا حتى يفكّر البشر بما هو في صالحه ولما هو في طالحه ، ودوما ما يختار الأصلح .. إن المجتمع الإيراني اليوم وبعد ثلاثين سنة من ارتدائه سياسيا العباءة الدينية ، يطمح لا لتبديل دينه ، بل لنزع تلك العباءة من فوقه ، كي يهبط شيئا فشيئا نحو الواقع بعد تجربة تاريخية ساخنة ومريرة .. فهناك من يراها فاشلة ، كونه يريد الخروج من مغاليق العصور الوسطى ، وهناك من لم يزل يراها منتصرة  ، كونه لا يدري أن العصر الحديث لا يتلاءم أبدا مع بقايا العصور الوسطى  !

 

رجال الدين .. وسلطة المنافقين

كان الجنرال ديغول لا يحب أن يسمع باسم نابليون بونابرت كونه ترك فرنسا في نهاية عهده اصغر مما كانت عليه في بدايته ، ولكن خوارنة فرنسا أغدقوا على نابليون الثناء واعتبروا  عهده مجيدا ، وعدّوا حروبه الخارجية بمثابة حروب مقدسة . كان مطران باريس يقول عنه : إن الرجل الذي اختاره الله ، وقد أحاطه بالملائكة ، إذ انه قد فرض السلام على كل أنحاء أوروبا ببطولته وبعون الله !! ولكن فرض السلام ذاك أدى إلى سقوط ما لا يقل عن مليون قتيل في صفوف الجيش الفرنسي ، وقتل مئات الآلاف من الكاثوليك النمساويين والارثودكس الروس والبروتستانت الألمان والانكليز ! ومع كل هذا وذاك ، فقد كان كبار رجال الدين يمجّدون نابليون ويشيدون بأعماله الخيرة ( المتوافقة مع إرادة الله ) في حين كان الإمبراطور قد عد نفسه اكبر من بابا روما عندما رفع التاج بيديه ليضعه على رأسه بعكس كل تواريخ وتقاليد العصور الوسطى عندما ينحني الأباطرة ليتوجهم باباوات روما !  ولكن ما أن دارت الدوائر على نابليون وخسر آخر معاركه في واترلو عام 1815 ، حتى انقلب عليه رجال الدين أيضا ، وراحوا يهجونه مثلما كانوا يمدحونه بالأمس ! وكان جملة من فلاسفة وعلماء ومخترعين .. ضحايا حرق وقرابين موت للخروج من أبواب العصور الوسطى .

لكن ؟ إن كانت فرنسا قد خرجت نهائيا من العصور الوسطى بتوالي تطور تاريخها الوطني والفكري من خلال الثورة الفرنسية 1789 .. وانتصرت بتغيير العالم ، فان مجتمعاتنا الإسلامية  لم تزل تمّجد بزعمائها حينا وتلعنهم حينا آخر .. لم تزل مجتمعاتنا بأيدي رجال دين يحركونها كيفما يشاءون .. بل والأقسى من ذلك أن زعماء عالمينا العربي والإسلامي  يخشون تماما من سطوة رجال الدين اليوم ، وما يمكنهم أن يفعلوه بالناس ضد أية سلطة كانت .. وإذا كان الأباطرة والملوك في أوروبا  ، يستلون أوامرهم من باباوات روما  وان رجال الدين هم الذين يحكمون من وراء الأستار ، فان بعض رجال الدين في مجتمعاتنا أصبحوا هم زعماء وقادة  دول ومنظمات وأحزاب .. إن دولا عديدة اليوم في منظومتينا العربية والإسلامية يحكمها رجال دين بعمائمهم أو قلنسواتهم وجببهم .. في حين لم نشهد على امتداد تاريخ الإسلام أي رجل دين يصل إلى سدة الحكم  أبدا ، وأتحدّى من يقول عكس ذلك .. إن تاريخنا منذ العصور الوسطى حتى اليوم يحكمه ملوك وخلفاء وسلاطين وشاهات وخانات وامراء وشيوخ قبائل  .. ومؤخرا رؤساء ! وكلهم اعتمدوا على فقهاء وأئمة ومجتهدين وشيوخ إسلام ومفتين (: جمع مفتي ) .. في تشريعاتهم .

إن مجتمعات إسلامية اليوم تعيش كما لو أنها في العصور الوسطى ، حاولت الخروج عنها ، فأخفقت . إن الناس في العصور الوسطى  ما كانوا يعتقدون بوجود عدة أديان ، وإنما فقط بوجود دين واحد أو مذهب واحد صحيح .. والباقي كله في ضلال مبين ! ولهذا ، اعتبر حمل الكاثوليك السلاح ضد البروتستانت معتبرين إياهم كفارا وزنادقة والعكس صحيح . إن ما يجري اليوم في عالمنا الإسلامي هو عينه في أوروبا العصور الوسطى ، فالانقسام الطائفي والمذهبي بين السنة والشيعة اليوم يعّبر في ماهيته عن اعتقاد راسخ لصواب احدهما دون الآخر .. متخذا أبعادا سياسية وسلطوية  تعبوية وإعلامية أكثر بكثير مما كان يجري في أوروبا ..

 

كيف الخروج من البوابات السوداء للعصور الوسطى ؟

إن سويسرا هي البلد الأكثر حضارة في العالم ـ كما يعتبرها حكماء هذا العصر ـ ، إذ كانت ولم تزل بلدا مسالما ، ابتعدت عن الحروب ، وطّورت الإنسان ويكفي أنها اعتنت بالزمن من خلال براعة أبنائها في صناعة الساعات ! وعليه ، فهي أولى الخارجين من بوابات العصور الوسطى نحو الزمن الجديد . إن التنوير هو الذي اخرج الإنسان من عقليته الصلدة .. عقلية العصور الوسطى . إن الفلسفة والمعرفة والتفكير العلمي .. كلها أضاءت العقول ، فتراجع تأثير الخوارنة والمطارنة وكل أصحاب التقاليد الجامدة . كانت العقلية الجديدة قد فصلت الدين عن سلطة الدين .. جعلت الإنسان مسؤولا عن نفسه أمام ربه من دون وسطاء أو مراجع أو ملالي .. جعلت الإنسان يتوّلى أمر نفسه أمام ربه ، فيقول لكم دينكم ولي دين ! جعلته حتى وان لم يكن مؤمنا بأي مذهب ، أو طائفة ، أو حتى دين ، لكنه مستقيم في حياته وسلوكه ومفيد للآخرين ، ومنتج في مجتمعه ، وانه شخص جيد .. وحولته من تابع ذليل لرجل دين أو لرجل سلطة ، أو لحزب أيديولوجي إلى مواطن صالح ..

إن حدوث هذا الشيء كان ولم يزل ضد العقلية القديمة التي تعتقد باستحالته في العصور الوسطى ، لأن الكنسية الكاثوليكية كانت تقول عبارتها الشهيرة : خارج الكنيسة لا خلاص ولا مرضاة عند الله ! بمعنى آخر : خارج الإيمان برجال الدين ومؤسستهم ، فان الإنسان ، في نظرها ، مصيره الجحيم وبئس المصير ! وهذا الموقف المتعّصب ، سقط ، ولكن بعد أن غلب العقل الحديث ، وغلبة التعددية الروحية ، وقهر الظلامية من خلال الاستنارة المدنية ، وانتشار التسامح الديني وتطور التفكير المدني ، وغلبة العقائد السياسية .. ليست الاستنارة الانخراط في أحزاب إيديولوجية راديكالية وقومية وثورية .. وتمارس كل موبقات الماضي ، ولكنها تحرير للعقل من كل رواسب العصور الوسطى ! ليس الاستنارة محاولة مخادعة لتبطن عكس ما تظهر حيث تدّعى العلم والمعرفة والديمقراطية .. وأنت تؤمن بالدجل والشعوذة والخرافة ، فتزيد من تناقضات الحياة .

 

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

 

 

المقال السابق

ملاكمة الديمقراطية

تخلف تقوده نخب

ليس من السهل أبداً نسف بنى فكرية، وتقاليد مغلقة، وأذهان مستعصية في مجتمعاتنا، بل من الصعب إن كان من يمثل تلك المنغلقات أناس يعتبرون أنفسهم نخبة مفكرة ، أو طبقة مثقفة تعيش في مجتمعات متخلفة.. ويتساءل المرء دوماً: لماذا ترفض تلك النخب أو تلكم المجتمعات الديمقراطية وحرية التعبير والخلاف في الرأي؟

ربما لأنها لم تكتشف الديمقراطية ومعانيها حتى اليوم.. وربما تسيطر على أدمغتها جملة من الأفكار والمعتقدات الكاذبة.. فإذا هي لم تتقبل الرأي المخالف، فكيف لها أن تتقبل النقد العلمي ، أو تفكيك النصوص، أو تشريح الأفكار، أو الكشف عن الأكاذيب وإدانة أصحابها علنا؟

 كيف لها أن تصمد من دون أيه شتائم،  ولا أي سباب ، ولا أي ردود فعل عاطفية؟ كيف لها إن كانت لا تؤمن بالتفكير العلمي أن تكون صبورة في معالجة ما تجده مخالفاً لها بكل حكمة ودقة وأمانة ومقابلتها الحجة بالحجة؟ إذا كنا حتى يومنا هذا قد كتبنا وترجمنا ونشرنا في ثقافاتنا جملة من الأدبيات الديمقراطية الغربية، فما نفعها إذن إن كانت مجتمعاتنا لم تصل بعد إلى القناعة التي انطلقت منها فكرة الديمقراطية في اليونان القديم زمن سقراط، وخصوصاً بين الأساتذة والطلبة قبل آلاف السنين؟

إذا كان الليبراليون يؤمنون بالديمقراطية ، والحريات ، وحقوق الإنسان، فإن كلا من الإسلاميين والقوميين.. وكل المؤدلجين  ، كانوا ومازالوا لا يؤمنون أبدا بتقبل الرأي المخالف لهم، بل يسارعون دوماً إلى النيل من صاحبه، بل يهربون من أية مواجهة حقيقية، إذ لا يريدون أي فرقاء لهم.. بل مهمتهم الإملاء على الآخرين، وما على الآخر إلا الانصياع لهم.. ولما يريدونه! فإذا كان ذلك «رأى مخالف»، فما بالك إن صدموا بالنقد العلمي أو توثيق المعلومات أو مقارنة الأدلة والحيثيات.. إلخ؟

اعتقال الرأي والخوف من كشف الحقائق

إن كانت العقليات السائدة قد تربت منذ خمسين سنة مضت على التهويم والتجديف وقمع الرأي ومصادرة الحريات.. فكيف سيكون موقف أصحابها الكبار قبل الصغار من الحياة الديمقراطية؟ ومن يقرأ اليوم كتاب جون كين «حياة الديمقراطية وموتها» ، سيكتشف أن المسألة ليست هينة أبدا في مجتمعات تفتقد فيها حقوق الإنسان وحرياته معا، وأن المشكلة لا تنحصر بالحكومات وأجهزتها القمعية والرقابية.. بل تمتد إلى المجتمعات حيث تتسلط عليها النخب المسيطرة المنضوية تحت مانشيتات شتى، لتمارس أسوأ أنواع الرقابة والإقصاء والتهميش والأساليب المبتذلة.. كي تبقى على اقانيمها وتقاليدها وممارساتها في الذي تفكر فيه تحت مسميات شتى. كنت أتمنى أن يمارس هؤلاء حق الرد إن كانوا يؤمنون حقاً بالرأي الآخر.. وأن يقارعوا الحجة بالحجة إن كانوا يؤمنون حقاً بالنقد مهما كان نوعه أو جنسه أو طبيعته.. وأن يبعدوا العلاقات الشخصية والتدخلات الذاتية بأي موضوع! وكنت أتمنى عليهم أن يجادلوا بالحق، لا أن يتستروا على الأخطاء.. ولا على أصحاب الأخطاء.. وأن يجهروا بآرائهم إن كانوا فعلاً رجال علم وثقافة أو أصحاب فكر وموضوعية.. كان عليهم أن يجردوا أنفسهم من آية ميول إيديولوجية أو سياسية من دون أن يدافعوا عن حقبة معينة ، أو شخصية معينة ، أو زعيم معين ، أو حزب معيّن ، أو حالة معينة من دون أية أدلة ولا أية حيثيات.  إنهم يصّرون على الخطأ ، بل ويجعلون أنفسهم أوصياء على مرحلة أو أمكنة أو شخوص .. ويدافعون عن أخطاء لم يتحققوا منها أبدا ، بل والانكى من كل هذا وذاك إنهم لا يتحرون عن الحقائق والمعلومات بدقة متناهية قبل أن يجازفوا في إطلاق الاحكام والآراء . إن من يحترم نفسه ، عليه أن يؤثر السكوت ويصمت إن لم تكن له القدرة على تقديم الأدلة والبراهين .. ثم إن كان لكل من الدارس أو المؤرخ أو الناقد .. أسلحته التي يمكنه من خلالها أن يفحص ويدقق ويثبت أو ينفي أو يدين حالة معينة أو ظاهرة معينة أو شخص ما .. فما دخل الآخرين كي يجندوا أنفسهم للدفاع وهم لا علاقة تربطهم بالموضوع المعني ؟

احترموا الموضوع.. ولا تقدسوا الذات

يعلم الناس أنني كنت قد نشرت منذ العام 2000 كتابي الموسوم " تفكيك هيكل " وهو مكاشفات نقدية في إشكاليات محمد حسنين هيكل .. وأنشر الآن على صفحات جريدة روزاليوسف المصرية.. نقداً تفكيكياً متسلسلاً في كتاب آخر أسميته (بقايا هيكل)، وهو يعنى بالنقد والتحليل والتوثيق والمقارنة والمكاشفة.. لكل ما حكاه الأستاذ محمد حسنين هيكل على قناة الجزيرة الفضائية منذ خمس سنين، ولم يزل يذيع آراءه ومعلوماته وأفكاره عبر القناة المذكورة في موضوعات مختلفة تبدأ بالتاريخ وتستطرد بعيداً وقريباً وتنتهي بأحداث الساعة.. أقول: إن من حقي تماماً أن أعلن عن آرائي وأحكامي بما يقال أو يذاع أو ينشر إيماناً منى بالديمقراطية وحضور الرأي الآخر، واستناداً إلى معرفتي المتواضعة بالموضوعات المطروحة كما تراها الآلاف المؤلفة من المهتمين.. ولم أفاجأ أبدا أن أجد البعض من الأصدقاء والزملاء المحسوبين على التيار القومي يقفون موقفا غير محايد أبدا لما أنشره في نقد (الأستاذ)، حتى ليظن المرء أنهم غير محسوبين على تيار عاش طويلاً، واختلف حتى أصحابه فيما بينهم، بل يحسبهم وقد جعلوا من أنفسهم اتباعاً لهذا أو ذيولاً لذلك.

 

المناسبة الأولى:

لقد صادفت في ثلاث مناسبات عربية ودولية زملاء وأصدقاء منهم من أعرفهم،  ومنهم مّمن لم أعرفهم.. تبادل بعضهم معي الكلام، فقال أحدهم ، وهو كاتب شهير وأستاذ جامعي معروف: هل بالإمكان إرجاء نقداتك للأستاذ هيكل إلى زمن آخر؟ قلت له: ومن يضمن أنني أعيش إلى زمن آخر؟! وقال آخر وهو مثقف قومي معروف: صديقي.. ما لك أنت وهذه الشغلة؟! دع الرجل يحكى للعالم ما لديه؟ أجبته: وهل ترى أنني مانعه من الكلام؟! إنني أتمنى أن يبقى مسهباً في كلامه، حتى نكمل عملية النقد لما يقول! ووقف معي أحد معارفي وأصدقائي  القدماء قائلاً: هل أضرك الرجل بشيء.. حتى تعامله بكل هذه القسوة؟ قلت له: وهل تعتقد أن الإنسان معصوم من الأخطاء حتى لا يمكن انتقاده؟! وهل إذا أخضعنا أعماله وأقواله للنقد نكون قد جنينا عليه؟! وهل تعتقد أنني انطلق من وازع شخصي أم أعالج الأمر من ضرورة موضوعية؟! وجلس إلى جانبي مفكر سياسي وهو أحد الأساتذة الجامعيين المعروفين ، يقول: ما لك والأستاذ؟! لماذا تسيء إلى سمعتك عندما تنشر في " روزاليوسف  " (كذا)..إذ قد لا تدرى أن هناك تصفية حسابات؟ قلت له: وهل تراني دافعت عن أحد ضد أحد؟! وهل وجدتني صفّقت لصراعات معينة؟! أتمنى عليك أن تقرأ ما أطرحه لترى أنه محاججة جدلية وخطاب حوار ونقد مفاهيم وتصويب أخطاء.. بل حتى اعتراف بصحة بعض الآراء.. فما الذي فعلته حتى أسيء إلى سمعتى؟!

 

المناسبة الثانية

في مناسبة أخرى، سخرت من ( مفكر ) يحسب نفسه صاحب تنظير قومي عندما قطب حاجبه وكشر عن نفسه،  وكنت أعرفه منذ عشرين سنة.. ناديته بأعلى صوتي: خلينى أشوف ابتسامتك.، ما بالك كئيب كمالك الحزين كما لم آلف ذلك منذ سنين.. التفت ليقول شيئاً مع ابتسامة مصطنعة، فمضيت عنه! وفى جلسة المؤتمر.. يبدو أن اثنين ممن يدعيان الكتابة في الشأن الإسلامي، ويحسبان أنهما من كبار (المفكرين) الإسلاميين قد تحفزا لإثارة أشياء تافهة ضدي بسبب انحيازهما الفاضح للأستاذ.. ولكنى عرفت كيف أرد الصاع عليهما صاعين، فلاذا بالصمت الرهيب والنظرات الخجلى! وفى حفل عشاء، جلس إلى جانبي زميل جامعي ورئيس تحرير إحدى المجلات المصرية الشهيرة ، ومضينا في حديث طويل، فقال: أبارك خطوتك في نقذ هذا ( )! إنني أتابع بشغف كبير كل ملاحظاتك ضد هذيانه! قلت: ولكن وجدتُ من يعترض سواء من الإخوة المصريين أو العرب، قال: ثق أن هؤلاء من المصفقين له لأسباب سياسية، وهم لا يؤمنون بالديمقراطية أبدا. قلت: ولكنهم يتشدقون بها وبالتقدمية والطليعية منذ بداياتهم؟ قال: يا عمّي أكل العيش أهم من الديمقراطية! أيه ديمقراطية يؤمن بها هؤلاء؟! امض إلى حيث تريد.. فمن حقك تماماً أن تجادل وتنقد وتحاور.. وعلى الآخر قبول الرأي الآخر..أو محاججة صاحبه .

 

المناسبة الثالثة

في مناسبة عربية أخرى.. كان أحدهم فظا في أسلوبه وهو يزبد ويتوعد.. قلت له: اهجع قليلاً.. أخشى عليك من نوبة قلبية، فتذهب ضحية بلا سبب، أو أن تقضى حياتك الباقية في مستشفى للمجاذيب.. ومضيت، قام أحدهم وأنا لا أعرفه أبداً، ليرد عليه بنفس أسلوبه ويسكته قائلاً: إنني لا أدافع عن الأستاذ الجميل بقدر ما أدافع عن أخلاقيات فكرية وسياسية أضعناها منذ سنين خلت عندما تقبلنا الأكاذيب والشعارات والمهاترات والسباب والشتائم.. وتركنا فرص الحوار والمجادلة وتبادل الرأي!

 

وأخيراً أقول:

إن المسألة لا يمكن أن تأخذ هكذا أبعادا غير مناسبة في الدفاع عن شخص يصيب ويخطئ.. وإن الإنسان مهما بلغ من العمر أو التجربة أو الخبرة أو القراءات.. فهو بحاجة إلى أن يتعلم من الآخرين، وأن يصحح أخطاءه، ويقيم اعوجاجه.. ويعترف بالرأي الآخر. إن الفكر بشكل عام لا زعامات له، ولا قداسات فيه. والأستذة لا نجدها إلا في الجامعات! إن القيم الحضارية لا تبيح لنا سلوكا مثل هذا السلوك في التصفيق، واستغلاله سياسياً.. وأن القيم العلمية لا تجيز لنا التكتم على الأخطاء وتمريرها ضمن مانشيتات زعامة فكرية موهومة.. فالفكر لا زعيم له.. أما الأستذة.. فهي تنحصر بالعلماء الأكاديميين وحدهم.. أننى لا أريد مجاملات خبيثة، ولكنني أطمع بحيادية مطلقة، وسأبقى أنشر ما أؤمن به من دون أي خطوط يفرضها هذا أو حدود يرسمها ذاك! وليعلموا أن من آداب المجادلة أن يحاجج الرأي بالرأي والمعلومة بالأخرى.. وأن من أصول النقد الأدبي عند العرب القدماء أن تكون المنازلة النقدية بين الطرفين محاججة منطقية أو أدبية أو لغوية أو فقهية أو فلسفية.. من دون أن يتخذ كل طرف عصابة له أو مليشيا للدفاع عنه!

 

ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

.

..........................................