Contact us

Beirut Time    

 دراسـات
ألأولـى

الأخبار الكاملة

   الأخبار القصيــرة  من الصحف صحـة فنون آداب

26/02/2010

المقال اليومي: دكتور سيّار الجميل*** المقال السياسي: دكتورصالح بن بكر الطيار*** المقال الأنسني: دكتور حازم خيري***المقال الفكري: النشرة***

Sawt el mada

 
   
   
   

..........................................

   
 
   

 

   

 

   

 

   


 

 

زكية خيرهم الشنقيطي

قصة قصيرة:  أسد يفترس صديقتي

 كنت جالسة كعادتي في مكتبي أنهي تسجيل بعض الوثائق، فإذا بجرس الباب يرن. إنها "تانت كريمة". دخلت تزهو بمعطفها الأحمر "الاوروستقراطي الرث"، "الأنيق الممزق"، صحيح عمره ثلاثين سنة، لكنها اشترته من الشانزليزية في باريس وهذا يكفي عندها  ، و لا أتذكر كم من أصفار وراء الدولار قالت لي أنها اشترته ، وكيف لي أن أتذكر وكل مرة ترفع الثمن أو تخفضه لضعف ذاكرته في تذكر عمليات التباهي المظهرية التي تعودتها ا. تقدّمت بخطواتها السريعة إلى داخل الشقة.

- كيفك! شو مشغولة ... الله يعطيك ألف عافية ....

كانت تقول كلامها في حين تزيل المعطف والقبعة عن رأسها. كنت أرى بريق فرح في عينيها، هي التي كانت دائما متشائمة، مستاءة وحزينة من البطالة والوقت الكثير الذي لا تعرف كيف تمضيه.

أراك مبتسمة، من المؤكد تحملين خبرا سعيدا. المؤسسة التي اتصلت بها لتوظيفك أجابت بالقبول. أليس كذلك؟  

- لا، مازلت أنتظر الجواب منهم.

ودخلت مباشرة إلى المطبخ، تلتفت بتوتّر: أين القهوة؟

- هاهي القهوة تنتظرك وترحّب بك أيضا.

- لقد رأيتك في منامي....!!!

انشرحت تقاسيم وجهها وأضافت، العجيب الغريب أنني لم أفكر فيك بتاتا، ولم تكوني في بالي على الإطلاق.

عدّلت من جلستها واسترسلت ساردة حلمها عني. كنت واقفة أمام بيت كبير جدا، وكنت أسمع صراخك يدوي المكان، وزئير الأسد الذي كان يفترسك. كان يقف رجل بجانبي و ينظر إليك بغضب ،و كنت أتوسل إليه أن يذهب لينقذك لكنه لم يكن يستجيب لطلبي.

فجأة يخرج رجل من ذلك البيت الكبير وهو يحملك على كتفه، كنت ملطخة بالدم، لم أكن أرى سوى حذاءك الأسود هذا. وأشارت إلى حذائي الذي مع باقي الأحذية خارج المطبخ.

- آه ... وماذا جرى بعد ذلك؟

- وضعك ذلك الرجل بالقرب من بركة هناك، وكان يضع الماء على كتفيك فاختفت الجراح وأصبح لون كتفيك صافيا. بالمناسبة قبل أن آتي إليك أخبرت وائل ومراد وسميرة بالحلم.

بينما كانت تروي روايتها، ذهب فكري إلى المرة الأخيرة التي زراتني في البيت، كنت أهيء العشاء لعائلتي الصغيرة، وأتحدث إليها، حين التفت إليها لأشاركها الكلام، وجدت عيناها كرصاصتين ستخترق جسدي ، حتى أنني ارتبكت وشعور بالدهشة انتابني من تلك النظرة العدائية لجسمي. فتقترب بابتسامة يلونها النفاق والمكر: حين نكون سويا لا تلبسين الكعب العالي.

- يا إلهي يا "تانت كريمة" أنا لا ألبس الآن الكعب العالي، هل تريدينني أن أقطع شيئا من ساقي حتى ترتاحين. تذكرت حين كانت تحدّق طويلا إلي، وتذهب بفكرها خارج المكان، وعندما ترجع به تقول لي، تحدثت مع أم عبيد وأخبرتها متسائلة: كيف تتوفقين في عمل البيت ووظيفتك خارج البيت والرسم والنحت والسفر.

 يا إلهي!!! أمعقول لا يشغلها شاغل إلا أنا... تراني في مناماتها وخيالاتها بالليل والنهار؟ وضعت يدها المتجعدة على كتفي، وابتسامة عريضة على محياها.

أما أنا فانتابتني دهشة مخلوطة بضحكة كالبكا، أمعقول يمكن لانسان أن يصل إلى هذه الدرجة من الحقد على الآخرين، لدرجة أنه يتمنى أن يراهم مقتولين أو ممزقين بمخالب أسد؟ ومن ترى ذلك الرجل يا ترى الذي كان واقفا بجانبها ينظر بغضب وهي تتوسل إليه لإنقاذي؟ ربما قد يكون ذلك الذي توسوس في أذنيه بالسوء عليّ وعلى الآخرين، لدرجة أنه أصبح يرانا بعين الغضب وفي الحلم يرفض انقاذنا من تحت براثن الأسد الذي يفترسنا في أحلامها.

-  أين ذهبت بفكرك؟ لا تخافي، نهاية الحلم كانت جيدة.

- لست خائفة ، أعرف أن كل انسان يتخد لنفسه في أحلامه ما يوافق ما يتمناه ويريده لنفسه والآخرين ، فالعفيف عفيف، والطائش طائش، والحسود حسود وهكذا. كل ما هناك أن النوم يخلع عن المرء قناع التصنع والرّياء، فتبدو حقيقته الباطنة على ما هي عليه، فيصارح كلّ منّا نفسه بما لا يجسر على التصريح به وهو في حال اليقظة. الحلم كما قالوا قديما : نسخة عمّا تريده لنفسك والآخرين..الحلم ليس أعمى..الحلم يستنسخ بصيرة الحالم..الحلم في المنام استنساخ لأحلام اليقظة..فلنحذر أسود البشر لأنها هي التي تفترسك في الأحلام...أو بالعكس أسود الأحلام نسخة من أسود البشر الذين يتمنون افتراسك في الواقع والحلم..حلم المنام وحلم اليقظة...فالأسد مفترس أينما كان في الحلم أو الغابة...يا إلهي كم في غابات البشر من أسود ، أسود الغابات أرحم منهم.

 

www.zakianna.se

http://www.zakianna.se/zakiaA.htm

 زكية خيرهم الشنقيطي

مسرحية أشباح

كل شيء أو لا شيء

سيرة ذاتية حول هنريك ابسن

بقلم ستاين إيريك لوند

1 / 2

موجز وتحليل أشباح إبسن

تعتبر مسرحية أشباح ثورة اجتماعية وأكثر قوة من مسرحياته السابقة في ذلك الوقت، حيث تمكن إبسن  أحد رواد المسرحية الحديثة  أن يعري الكذب والنفاق الاجتماعي  وانعدام أو تقلص الاحساس بالمسؤولية الذي يؤدي للعجز وتراجع مساحة الفرح الإنساني . الغرض من هذه المسرحية هو تسليط الضوء على العناصر الأكثر ضررا وتدميرا في الحياة. و
قبل أن تصدر المسرحية ، أرسل ابسن رسالة إلى ناشره " فريدريك هيجل" حيث يحذره قائلا :"أشباح ستكون إلى أبعد حدّ في بعض الدوائر مثيرة للانزعاج ولكن يجب أن تكون هكذا. إن لم تثر ضجة لم يكن من الضرورة كتابتها ". لكن أشباح كانت قنبلة موقوتة أكثر مما كان يتوقع ابسن. شخصيات المسرحية قليلة: السيدة هيلين ألفينج، ابنها أوزفالد، القسيس ماندرز، النجار انجستراند، والخادمة ريجينا انجستراند، وكذلك الحاجب وهو المتوفي ألفينج، زوج هيلينا ووالد أوزفالد. رغم أنه توفي، إلا أنه يؤثر على كل ما يحدث في المسرحية، وتجري الأحداث في منزل فخم بروزنفولد وفي أقل من أربعة وعشرين ساعة.
تبدأ المسرحية لنعرف أن أوزفالد الذي يعمل فنانا في باريس رجع إلى أهله. في نهاية المسرحية نعرف أن رجينا وأوزفالد أخوة من الأب، كما نعرف أن أوزفالد ورث مرض الزهري المميت من والده. الخادمة رجينا التي وعدت بأن تذهب إلى باريس مع أوزفالد ستغادر أوزفالد عندما تعرف أنها أخته من الأب. احترق الميتم الذي ستفتحه السيدة ألفينج. ستسوء حالة أوزفالد في فترة مرضه الأخيرة و يوشك أن يكون مجنونا. طلب من أمه أن تمنحه المورفين لكي ينهي حياته، كما جاءت به إلى  الحياة يريدها أن تأخذه بعيدا عنها .

قامت السيدة ألفينج بما سمته عائلتها القران الجدير بالاعجاب، تكتشف بعد فترة وجيزة من زواجها أن زوجها سكير وفاجر. تصاب بيأس وتلجأ إلى صديقها الشاب، القس ما ندرز الذي كان يهيء لانقاذ النفوس على الرغم من أنها مغلفة في جثث متعفنة. يحث القس ماندرز ميسز ألفينج للعودة الى زوجها وواجباتها تجاه بيتها. ميسز هيلين ألفيج شابة وغير ناضجة ، وكذلك تحب القس الشاب ماندرز. أوامره كانت مطاعة لذك عادت إلى بيتها، وعانت خمسة وعشرين عاما من البؤس والتعذيب المستمر بلا نهاية. تحملت ذلك الشقاء من أجل ابنها الذي ولد من تلك العلاقة العجيبة. ابنها اوزفالد كان كل شيء في حياتها ويجب الحفاظ عليه بأي ثمن. و للقيام بذلك ستضحي رغم توقها الكبير  بإرساله بعيدا عن الأجواء المسمومة في منزلها.

من مشاهد المسرحية: أم مثقلة بالذنوب

مسييز ألفينج:  كان أوزفالد على حق في كلمة.

القس ماندرز: على حق!

ميسز الفينج: هنا في وحدتي وصل بي تفكيري إلى نفس النهاية، ولكني لم أجرؤ على الافصاح عن آرائي، إلى أن جاء إبني يتحدث عني.

القس ماندرز: أنت تثيرين شفقتي، ولكن دعيني أتحدث إليك، ولن أتحدث بوصفي مدير أعمالك ومستشارك ولكن بوصفي الصديق القديم لزوجك. بوصفي القسيس. القسيس الذي لجأت إليه يوما عندما أخطأت في الحياة.

ميسز ألفينج: وماذا يمكن القسيس أن يقوله لي؟

القس ماندرز: سأثير ذكرياتك بعض الشيء والوقت مناسب لذلك .  غدا الذكرى العاشرة لوفاة زوجك. غدا سيزاح الستار عن نصب لتخليد ذكراه. غدا سأتحدث إلى أناس كثيرين، أما اليوم فسأتحدث إليك وحدك.

ميسزو ألفينج: تفضل.

القس ماندرز: أتذكرين ولم ينقضي عام على زواجك، أنك وقفت على حافة الهاوية. إنك هجرت بيتك، أنك فررت من زوجك ، نعم  فررت ورفضت العودة إليه رغم توسلاته وصلاته.

ميسز ألفينج: وهل نسيت مدى تعاستي آنذاك .

القس ماندرز: إنها روح التمرد التي تدفعنا إلى طلب السعادة في هذا العالم. ولكن بأي حق لنا نحن ألآدميون أن طلب السعادة؟ علينا أن نؤدي واجبنا. كان واجبك البقاء إلى جانب ذلك الرجل الذي ارتبطت به برضاك المقدس.

ميسز الفينج: لعلك لم تنس كيف كان الفينج يحيا وكم كانت ذنوبه وآثامه .

القس ماندرز: نقلت إلي الشائعات الكثير عنه، وإذا لم تخطئ تلك الأقاويل، فإنك أول من ينكر حياة ألفينج في شيليه، ولكن للزوجة أن تقيم نفسها حكما على زوجها. كان من واجبك أن تحملي الصليب  الذي حملتك إياه الإرادة العليا. ولكنك تمردت ورميت الصليب، وهجرت الدار وخاطرت باسمك و سمعتك، وكدت أن تدمري سمعة قوم آخرين.

ميسز ماندرز: تعني سمعة شخص آخر.

القس ماندرز: كان من الحمق أن تلجأي إلي.

ميسز الفينج: إلى قسيسنا.. إلى صديقنا الحميم.

القس ماندرز: لنفس الاعتبار. إنك مدينة بالشكر لله، أن وهبني تلك اللحظة صدق العزيمة فنجحت في طرد الشيطان عنك وإرجاعك ثانية إلى دارك وزوجك.

ميسز ألفينج: كان هذا واجبك؟

القس ماندرز: لم أكن إلا أداة بسيطة في يد إرادة عليا. ألم تشعرين بالراحة النفسية بعد أن أرشدتك إلى طريق الطاعة وتحمل أعباء الحياة؟ ألم تسير الأمور على النحو الذي توقعت ، فتبرأ الفينج من أخطائه كما يجب على رجل أن يفعل، وعاش إلى جانبك زوجا طيبا، كريما، عطوفا حتى مات؟ ألم يصبخ إنسانا خيرا امتد خيره فشمل الجوار؟ ألم يرفعك إليه حتى صرت شريكة له في أعماله؟ لا أنكر مسيز ألفينج أنك جديرة بالثناء. ولكن لنتحدث الآن عن خطيئتك الثانية الكبرى في الحياة.

ميسز ألفينج: ماذا تعني؟

القس ماندرز: كما تنكرت لدور الزوجة يوما، تنكرت لدور الأمومة. كنت نزاعة إلى التحرر والتمرد ولم تعرفي يوما كيف تتحملين التزاما أو قيدا. فقدت دون عناية أو شعور مسؤولية كل ما ألقاه الواجب على عاتقك. ذات يوم لم يرق لك أن تكوني زوجة فغادرت زوجك.  ورأيت أن الأمومة حمل ثقيل فأرسلت ابنك إلى الخارج يعيش بين الغرباء.

ميسزو ألفينج: هذا حق.... لقد فعت ذلك.

القس ماندرز: وهكذا أصبحت غريبة في نظري.

ميسز ألفينج: كلا، كلا، لست كذلك.

القس ماندرز: نعم، أنت غريبة في نظري. تلك حقيقة لامهرب منها. تدبري الأمر يا ميسز ألفينج؟ لقد أثمت في حق زوجك، وإقامة تلك المؤسسة لذكراه اعتراف منك بالإثم. وعليك أن تعترفي الآن بإثمك في حق ابنك. تبتعدي عن طريق الخطأ وانقذي البقية الباقية التي تستطيعين لأنك أم مثقلة بالذنب. ذلك واجبي نحوك.

كيف كان الحال؟

هل كانت مؤسسة الزواج المقدسة كما يسميها البعض تبنى على أنقاض علاقات اجتماعية غير واضحة المفاهيم ، وبالتالي آلاف من الاطفال الأبرياء يدفعوا ثمهنا حياتهم في حين أمهاتهم تواصل حتى النهاية من دون أن يتعلمن كيف هي الحياة إجرامية بشكل مخيف. تتحمل مسز الفينج عبث زوجها وتقاسي الأمرين حتي تحافظ علي سمعته وإن كان الثمن باهظا. تعيش مع الحقيقة المرة إلى الأبد ،حقيقة ما رأته من الحياة الماجنة من والد طفلهاالذي عاش في محيط ضيق، لم يجد فيه هدف  لحياته . تضحي من أجل طفلها أوزفالد الذي كان النور الوحيد لها.   كل ما يجري في دماء الانسان هو ما ورثه عن والديه، بل أغلب الأفكار والعادات والممارسات يكتسبها من محيطه الاجتماعي . في مسرحية أشباح تتحمل مسز الفينج عبث زوجها وتقاسي الأمرين حتي تحافظ علي سمعته، وكان من نتيجة هذا تدمير حياتها وحياة ابنها الوحيد الذي ورث عن ابيه مرضا سريا لاشفاء منه، والابن هنا ضحية أشباح تكمن وراء التقاليد البالية التي تقف عائقا دون تكامل الشخصية.

كل امرأة "ضحية" إلا ووراءها رجل

كتب ابسن هذه المسرحية كي يشخص المجتمع الذي يحكم على الظاهر أكثر من الباطن، مجتمع يعيش تحت أغطية كثيرة مستورة ، كان المجتمع الأوربي يعاني منها على شكل أمراض اجتماعية وجنسية. توغل عميقا في ثنايا علاقات المجتمع الأسرية والعلاقات غير الشرعية، ووضعية المرأة التي تصبر وتضحي لاجل انقاذ اطفالها على حساب حياتها وتعاستها، وتصبر على فساد الزوج حفاظا على سمعة العائلة والمركز الاجتماعي. 

 

الشخصية التي فقدت كل شيء هي السيدة ألفيج . ستدرك أنها هي السبب في جعل زوجها ينجب طفلا خارج نطاق الزواج لأنها حرمته من سعادة الحياة وتضع اللوم على نفسها. فقط الآن اكتشفت أنه كان من الممكن أن تعيش معه حياة سعيدة وتتحمل أيضا ذنب انجاب أوزفالد. ذنبها سبب ارتباطها برجل لا تحبه. لذلك لم تكن قادرة على مقابلته. كانت تخشى من شراسته ووحشيته. كانت فقط مهتمة بالحفاظ على المظهر الكاذب للزواج وتأدية الواجبات التي تعلمتها من أمها، و خالاتها وصديقها القس ماندرز. هل كانت ستعطي المورفين لأوزفالد حتى يموت... هذا ما لا نعرفه . كما جرت العادة يترك ابسن المشاهدين لطرح أسئلة مهمة وكبيرة. سئل إبسن من طرف الأديب  وليام آرتشر (الذي ترجم إبسن إلى الانجليزية) عن ميسز ألفينج إن ساعدت أوزفالد على الموت أم لا. ضحك ابسن وقال: "لا أعرف. يجب معرفة ذلك بنفسك. لا أريد أبدا أن أحلم في اتخاد قرار أسئلة صعبة." يبدو الأمر تقريبا  عندما تسرد كل المآسي على النحو التالي، تصبح كثيرا من الأشياء الجيدة، ما يعرض على خشبة المسرح فهو بعيدا عن الكوميديا. يشعرالمشاهد بالألم حينما يرى الشخصيات واحدا تلو الآخر في طريقها تدريجيا إلى التفكك. والسبب الذي يجعل المسرحية مؤلمة وليس مضحكة، لأن ابسن بطبيعة الحال يعرف متى سيأتي بالإفصاح عن بعض الأسرار. يعرف كيف سيستخدم التقنيات الأدبية وكيف سيستعملها على خشبة المسرح. وتلك هي عبقريةإابسن ككاتب مسرحي. في واحدة من المسرحيات يعالج ابسن مواضيع مثل الزنا، الأمراض التناسلية ، وسفاح القربى والقتل الرحيم. لكن مسرحية أشباح يضا تتحدّث عن الفرق بين البيئة الاجتماعية في النرويج وبلدان جنوب أوروبا، و الحياةالقمعية هنا في وطنه "النرويج" عكس الحياة السعيدة التي تعيشها الشعوب هناك ، لذلك تتعرض آلية مؤسسة الزواج في بلاده للنقد القاسي .

إنها ستكون فضيحة إذ أرجعت المكتبات مئات النسخ إلى دار النشر. الكثيرون لم يريدوا حتى الاعتراف باقتناء الكتاب. الناقد في الجريدة الصباحية يقول بأن هذا الكتاب لا يجب أن يوضع على مائدة في بيت مسيحي. لم تجرؤ المسارح في مدن كريستيانيا، ستوكهولم ،  وكوبنهاغن على عرض مسرحية الأشباح. استغرق الأمرعامين قبل أن تعرض للجمهور النرويجي،و كانت الممثلة السويدية أوجست ليندبرج  قد جاءت الى كريستيانيا مع الفرقة المسرحية، ورغم ذلك  لم تعرض المسرحية في مدينة  كريستيانيا . العرض الأول كان في عام 1900 ، سنة بعد افتتاح المسرح الوطني، عرضت المسرحية على مسرح ثابت في العاصمة. و في ألمانيا ، كانت المسرحية ممنوعة للعرض لعدة سنوات.

قدّمت مجموعة من الهواة الدنماركيين والنرويجييين المسرحية في شيكاغو بالولايات المتحدة للمهاجرين من الدول الإسكندنافية. كان ذلك أول مرة تعرض فيه مسرحية ابسن على جانب المحيط الأطلسي. جمع وليام آرتشر مجموعة من الاقتباسات من الجرائد الانجليزية عندما عرضت مسرحية الأشباح في لندن لأول مرة. " المجارير المفتوحة، ووجود جروح مقرفة مع ضمادة ممزقة، عمل قذر يعرض علنا، حقل مستشفى بنوافد وأبواب مفتوحة على مصراعيها .... هذه المسرحية كلها ابتدال وأنانية، خشونة وسخافة ... عرض منفّر ومثير للإشمئزاز  ... عرض مريض وتخريبي، خطر على الصحة وتاريخ سيء ..."

حتى في النرويج تعرضت المسرحية إلى انتقادت سيئة وبغيضة. لكن هناك من كانوا يساندونه. بيورن ستيارنا بيورنسن كان واحد منهم. وأملي سكرام كانت أيضا واحدة من الذين كانوا يؤيدونه. كان دعم بيورنسن على وجه الخصوص حارّا لابسن. كانت بينهما عداوة منذ أن نشر ابسن مسرحية اتحاد الشبيبة. على الرغم من ذلك كان من بين القلائل الذين تحدّثوا علنا بطريقة لطيفة عن مسرحية الأشباح.   كتب ابسن في رسالة:" الشخص الوحيد الذي كتب بحرية وجرأة بطريقة جيدة عني، هو بيورنسون. جرأته تشبهه. في الحقيقة له عقل ملوكي كبير ولن أنساه أبدا. بعد وقت قصير كانت مسرحية أشباح تكاد أن تكون واحدة من أكثر مسرحياته عرضا. ومن جديد سيكون إبسن متقدما بفارق كبير عن جمهوره .

الحلقة القادمة:

ما الذي جعل مسرحية أشباح مؤثرة في جمهور اليوم ؟

كل شيء أو لا شيء
سيرة ذاتية حول هنريك ابسن
بقلم ستاين إيريك لوند

مسرحية أشباح إبسن
زكية خيرهم الشقنيطي
2 / 2
لكن ما الذي جعل مسرحية أشباح تؤثر في الجمهور اليوم؟
الجمهور يعرف انه مسرح ، ما يحدث على خشبة المسرح ليس من الواقع، إنه فقط ممثلون يلعبون أدوارا. ولكن لا يزال المشاهدون يكادون أن يحبسوا أنفاسهم جميع أنحاء العالم عند مشاهدة مشاهد من المسرحية خاصة ما يتعلق بالعلاقة بين الأطفال والآباء. وكل من يجلس في قاعة المسرح من المشاهدين مرّ بمرحلة الطفولة، والعديد منهم أيضا هم آباء وأمهات. علاقة الأطفال بالآباء والأمهات هو ما يسمى موضوع أبديّ في الأدب . هناك شيء يعرفه عنه الجميع في قاعة المسرح؛ وهو أن لديهم وجهات نظر ومشاعر مرتبطة. وعندما يكون المرء جالسا في قاعة المسرح يفكرّ المرء بطبيعة الحال بطريقة لا إرادية، في أمه أو أبيه أو ابنه أو ابنته أو كلهم معا. كما يقارن المرء وضعيته بما يجري على خشبة المسرح . لكن معاصروا إبسن آنذاك لم يفهموا مضمون مسرحية أشباح. رأوا فقط الأشياء القبيحة التي لم يرد ابسن ذكرها بالاسم بشكل مباشر .
الدخول إلى المناطق المحظورة في الواقع الاجتماعي
لم يحدث أن كان نقد المسرحية مسرحية لأنها كانت سيئة، أو لأنها كانت مكتوبة بطريقة سيئة أو صعبة التمثيل على خشبة المسرح . انتقدت لأنها تتناول موضوعات حساسة لم يكن من المعتاد الحديث عنها ، أو ما نسميه بالمحرمات. كذلك النقد لم يوجه إلي ابسن الفنان وإنما إلى شخصيته كإنسان عادي. أصبح ينظر إلى ابسن كأنسان سيء مادام أتاح لنفسه أن يكتب عن مثل هذه الأمور، وبالتالي اختلط الحكم على المسرحية بشخص ابسن، أي أنه تم القفز عن موضوع المسرحية المهم آنذاك والآن ، لنقد الكاتب بشكل قاس لأن النقاد لم يمتلكوا الجرأة لتجاوز تلك المحرمات ( التابوات ) ، لأن النقد الموضوعي كان حتما سيعني مواجهة الجمهور الذي استشاط غضبا من جرأة إبسن ، وهذه عادة مرت بها غالبية الثقافات : يعرفون الممارسات السيئة والشاذة ، ومتأكدون أنها سيئة وشاذة ، ولكن يغضبهم كشف هذا المستور والمسكوت عنه.

هل هناك مثل هذه المحرمات اليوم؟ هل من الممكن أن نتصور فنانا يتعرض لانتقادات قوية من هذا القبيل كما تعرض إليها ابسن حين كتب مسرحية أشباح؟ لكن من هي هذه الأشباح التي تحدث عنها ابسن؟ نحن نعلم أن إبسن في حياته قد تعرض لأشباح. واحد منهم طفله الذي انجبه مع الخادمة في غريمستاد. شبح آخر كان أبوه الذي أفلس عندما كان ابسن صبيا صغيرا، والثالث هو تورمود كنودسن بورغيوردا الذي ربما كان على علاقة مع والدته ، وشائعات بعض الناس التي تقول أنه كان والد ابسن الحقيقي.
المسرح الواقعي ما بين الكشف والتعرية
هيلين ألفينج تقولها بهذه الطريقة لصديق العائلة باستور ماندرز بعد ان اكتشفت ان ابنها لديه علاقة مع الخادمة: "عندما سمعت ريجينا واوزوفالد هناك ، كان كما رأيت أشباحا بالنسبة لي. لكنني أعتقد أننا كلنا أشباح تقريبا، أيها القس ماندرز. ليس ذلك فحسب ، ورثناها من الأب والأم ، الذين يلازمنا في خفايا أنفسنا: هناك أنواع متعددة من الآراء الميتة والمعتقدات القديمة وشيء من هذا القبيل.ليست حية في نفوسنا، لكنها رغم ذلك باقية فينا ولا نستطيع التخلص منها. . فقط حين أتناول جريدة لتصفحها، يبدو لي أنني أرى أشباحا في جميع أنحاء الأرض. لابد أن يكون عددهم كثيفا كما الرمل أعتقد ذلك. ونحن مخلوقات الله الملتوية التي يرثى لها جميعا."
يبدو الأمر وكأن مصير الشعب في أشباح هو مقدّر سلفا ؛ الأجيال قبلهم قررت كيف ينبغي أن تكون حياتهم. في جميع العائلات هناك أشباح والأشباح تأتي مرارا وتكرارا . أبناء المدمنين على الكحول يصبحون هم أيضا مدمنون . الأطفال الذين تعرضوا لسوء المعاملة ، يمكن أن يصبحون هم أنفسهم مسيئين. الكثير من المؤلفات الأدبية التي كتبت في ذلك الوقت حول هذه الطريقة في عرض الحياة نسميها النزوع الطبيعي . في النرويج، كانت أملي سكرام ويوناس لي، النمادج الاولى في هذا الاتجاه. هذا الكاتب الرائد الطبيعي في أوربا كان الفرنسي ايميل زولا. لكن ابسن كان فقط يزدرأ من زولا، وأعرب عن اعتقاده بأن الفرق بينه وبين إيميل زولا هو أن " زولا يغوص في أسفل المجاري ليستحم فيها بينما أنا أغوص لتنظيفيها." عندما يتعلق الأمر بالتأثر بالكتاب الآخرين، ابسن لم ينكر ذلك أبدا. كانت زوجته تقرأ كثيرا خاصة الأدب الجديد. وقد يكون من الجائز أنها كانت كمستشارا له، لأنها كانت تقدم له ما كان يجب عليه أن يقرأه . قال ابسن شخصيا أنه قرأ الكتاب المقدس -- "كان شديدا وقويا" -- والصحف. ولم يكن فقط يقلب صفحات الجرائد. بل قرأ بعمق معظم الأشياء ، من الاعلانات الصغيرة حيث شخص يريد بيع طاولة القهوة إلى الأخبار العالمية الكبرى. خيال ابسن وحسه لمشاهدة الأحداث اليومية ، قد تكون الصحف فقط ما يحتاجها من مواد القراءة. ويبدو واضحا ؛ الصحف (التي كانت آنذاك السبيل الوحيد للحصول فيها على الأخبار) أعطى ابسن قراءة معمّقة وانطباعا قويا في كل يوم مما كان يتحرّك في ذلك الوقت. كل المواضيع التي تطرق إليها ابسن في الدراما المعاصرة كانت تعالج أيضا في الجرائد. كان الصحفيون يكتبون الأحداث الواقعية وابسن يحولها إلى فنّ.
في مقال من العام 1882 كتب برانديس حول إبسن : "كان يبدو لي دائما أنه يبطن مبدأ غامضا مع اشارات تخمر المستقبل في مراحله الأولى". هكذا هو الأمر مع الفنانين والمبدعين . لديهم حساسية شديدة عند تناول أمور الواقع المعاش من خلال الفن الذي يختاره كل واحد منهم ، وكان ابسن قد اختار المسرح لأنه أكثر الفنون تجسيدا لمآسي الواقع خاصة عند تقديم هذه المآسي بشكل معاش من جديد على خشبة المسرح ، فيعيشها المرء مرتين : الأولى كقارىء والثانية كمشاهد لخشبة المسرح .

شخصيات مثيرة في الورق وعلى المسرح

أوزفالد في أشباح هو نوع من الذكور التي استخدمها ابسن في العديد من المسرحيات. هناك شخص وعادة ما هو فنان ، وبالتالي يقع خارج غالبية المجتمع ؛ المهندس" شيخ البنائين"، المؤلف في" أيلوف الصغير" أو النحات في "عندما نحن نستيقظ نحن الموتى". أو غيرهم من الأشخاص مع أي من الأفكار المنحرفة؛ المشرف الطبي على حمامات البلدية الصحية في "عدو الشعب"، المؤرخ الثقافي أيلرت لوفبورغ في "هيدا جابلر" أو مدير بنك في "يون غابرييل بوركمان". النساء والفنانين والأشخاص ذوي افكار المنحرفة -- وربما الشباب الذين يتمردون ضد قواعد المجتمع – أولئك الأشخاص التي تثير اهتمام الكاتب الدرامي إبسن. هناك أناس يبحثون عن الحرية التي لا يستطيع المجتمع أن يوفرها. أو بعبارة أخرى : إن الحياة التي يعيشون فيها -- أو يحاولون عيشها -- لا مكان لها في ذلك الوقت في المجتمع كما الأمر في زمن ابسن. أو ربما هؤلاء الناس أيضا ليس لديهم مكان في مجتمعنا اليوم.
قبل عام من صدور أشباح ألقى إبسن خطابا جادل فيه قائلا : أن المرأة يجب أن يكون لها وصول إلى رابطة الدول الاسكندنافية في روما. الخطاب سلط الضوء على نفس بعض ما قيل أعلاه . إن الشباب لديهم هذه الغريزة الرائعة، التي بطريقة لا ارادية يصيبون بها الهدف الصحيح. وهذه الغريزة تماما عند المرأة كما هي عند الشباب و الفنانين الحقيقيين . لم أعد أخشى على النساء والشباب و الفنانين الملتزمين. لكن ما أخشاه أن يتوجه نحو رجال مسؤولياتهم صغيرة وأفكارهم محدودة، رجال باهتمامات تافهة و أفكار بالية . هؤلاء الرجال يتكيفون كليا مع أفكارهم وكل الاجراءات التي يتخدونها ليس إلا لتحقيق بعض أهدافهم التي لا تخدم المجتمع ، بل مصالح شخصية ضيقة وغالبا تقاليدها بالية . تلك كانت أهمية مسرحية أشباح ، في مواجهتها لمجتمع يعيش تقاليد وعادات بالية متخلفة ، وفي الوقت ذاته لا مانع عنده أن يستمر في تلك الممارسات ، ويثور إن كشفتها أعمال فنية بجرأة مثل مسرحية أشباح .

Zakia Khairhoum
Ghaliawin11@yahoo.com
 

www.zakianna.se

 

.

..........................................

 

       عودة الى الصفحة الاول