|
ما وراء
قمع معارضي العودة للمفاوضات في الضفة الفلسطينية
يشعر الكاتب الفلسطيني والعربي عموما كما يشعر القارئ بالإحراج من كثرة
المقارنات بين ما يجري في إسرائيل وما يجري في فلسطين والعالم والعربي حيث
تكون الأفضلية دائما للجانب الإسرائيلي، سواء كانت المقارنة تتعلق بإدارة
أمور الدولة والممارسة الديمقراطية أو بالتعليم والتقانة أو بالعلاقة بين
الحكومة والأحزاب أو بإدارة أزمة الصراع في المنطقة الخ .واليوم سنلجأ
للمقارنة مرة أخرى فيما يتعلق بكيفية إدارة ملف المفاوضات وموضوع الاستيطان
ومدخلنا لذلك حدثان متزامنان وقعا يوم 25 من الشهر الجاري و مع أنهما تكررا
قبل ذلك كثيرا إلا أن الظرفية التي تمر بها القضة الوطنية تجعل لهما دلالات
خطيرة وتستدعي قراءة معمقة لهما :
الأول : أجهزة الأمن الفلسطينية في رام الله تقوم باقتحام قاعة البروتستانت
التي كانت معدة لاحتضان ندوة دعت إليه قوى وطنية فلسطينية ومستقلون للإعلان
عن رفضهم للعودة للمفاوضات بدون مرجعية وقبل وقف الاستيطان،وللتذكير فإن
هذه القوى من داخل بيت الشرعية الفلسطينية وموقفها الذي أرادت التعبير عنه
هو نفسه موقف الرئيس أبو مازن عندما أوقف المفاوضات مشترطا هذين الشرطين
قبل العودة لها.وقد حالت هذه الأجهزة وعقد المؤتمر بطريقة مثيرة للسخرية
والغضب ولا تليق بأجهزة حكومة يُغترض أنها تمثل كل الشعب.
الثاني : مستوطنون في حي سلوان في القدس المحتلة قاموا باقتحام منازل
للفلسطينيين وإحراقها والاعتداء على مسجد في ظل صمت الشرطة والجيش
الإسرائيلي بل تقديم الدعم غير المباشر لهم،وليست هذه المرة الأولى التي
يقوم بها مستوطنون بهكذا اعتداءات سواء في القدس أو في الضفة وفي جميع
الحالات يجدوا دعما من الشرطة والجيش الصهيوني .
لن نعيد تكرار ما هو معروف من تواطؤ الجيش الإسرائيلي مع المستوطنين بل إن
كثيرا من الاعتداءات تكون بإيعاز من الحكومة ومن سياسيين بهدف خلق حالة من
التوتر يوظفونها على طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين وفي حواراتهم مع
الأمريكيين والأوروبيين للزعم بأن هناك رأي عام إسرائيلي يرفض وقف
الاستيطان ومستعد للدخول في مواجهات دامية.هذا يعني أن السياسيين
الإسرائيليين يوظفون مواقف قوى المعارضة الرافضة لوقف أو تجميد الاستيطان
وممارساتها كورقة لتعزيز مواقفهم التفاوضية الرافضة لوقف أو تجميد
الاستيطان بل الرافضة لمجمل نهج السلام،وفي هذا السياق نلاحظ تزايد
اعتداءات المستوطنين في الفترة الأخيرة التي يحتدم فيها النقاش حول تجميد
الاستيطان والعودة لطاولة المفاوضات.لقد بات معروفا أن الإسرائيليين
يختلفون وبعضهم البعض في كثير من القضايا ولكنهم يتفقون فيما يتعلق بمواجهة
الفلسطينيين وفي الموقف من الاستيطان .
في المقابل تمنع أجهزة أمن السلطة مواطنين من مجرد التعبير السلمي عن رأيهم
الرافض للعودة للمفاوضات بدون ضمانات.يحدث هذا التصرف في وقت يتهيأ فيه
المفاوضون الفلسطينيون للدخول بجولة جديدة من المفاوضات، ولا ندري ما هي
أوراق القوة التي سيلوح بها المفاوض الفلسطيني في مواجهة الإسرائيليين
وهويجرد نفسه أهم ورقة وهي وحدة الموقف الفلسطيني حول موضوع
الاستيطان؟الرفض الشعبي للعودة للمفاوضات ورقة قوة للمفاوض الفلسطيني وليس
ورقة ضعف كما يعتقد الذين منعوا عقد مؤتمر رام الله .كنا نتوقع من السلطة
والمنظمة وحركة فتح قبيل بدء المفاوضات ،إن كان لا بد منها وما داموا
مضطرين لها بفعل الضغوط الخارجية كما يقولون،أن يحرضوا الشارع الفلسطيني ضد
الاستيطان وأن يوعزوا للناس بالخروج بمسيرات ومظاهرات داخل الوطن وخارجه ضد
سياسة الاستيطان وضد الضغوط الممارسة على القيادة للعودة لطاولة المفاوضات
وأن يوظف المفاوض الفلسطيني هذا الرفض للقول لتل أبيب وواشنطن والرباعية
بأنه يمثل شعبا مجمعا على رفض سياسة الاستيطان ،أما أن تقمع أجهزة الأمن
مواطنين يقولون لا للاستيطان في الوقت الذي يذهب نتنياهو للمفاوضات مثقلا
بمطالب المستوطنين وتهديداتهم وبمعارضة واسعة لسياسة تجميد الاستيطان ،فهذا
معناه خسارة المفاوض الفلسطيني لمعركة المفاوضات قبل أن تبدأ.
نقول هذا ونحن من المؤيدين لاستراتيجية ولمشروع السلام الفلسطيني الذي رفعه
الراحل ياسر عرفات ،نقول هذا ولدينا تحفظات كثيرة على (المعارضة )
الفلسطينية وسلوكياتها وشطحاتها ،نقول هذا ونحن ندرك حاجة أهلنا في الضفة
للأمن والاستقرار الخ،ولكن ما تقوم به الأجهزة الامنية هناك يتجاوز أحيانا
متطلبات أمن المواطن والوطن ويتجاوز استحقاقات مشروع السلام الفلسطيني بل
ويتجاوز ما يقول به الدكتور فياض من بناء مؤسسات الوطن لأن بناء مؤسسات وطن
ما زال تحت الاحتلال يحتاج لما هو أكثر من راتب ورصف شارع هنا وبناء مدرسة
هناك فهذا أمور لم تتوقف يوما منذ مجيء السلطة بل وقبل مجيئها ،بناء الوطن
يحتاج لحرية الرأي والتعبير ويحتاج لثقافة ممانعة ومواجهة ويحتاج لجبهة
وطنية موحدة في مواجهة الاستيطان والمستوطنين واستفزازات جيش الاحتلال.
لقد رفعت السلطة وحركة فتح شعار المقاومة الشعبية وذلك ردا على القائلين
بأن السلطة تخلت عن المقاومة وتطارد المقاومين،وقد استحسنا خيار المقاومة
الشعبية تجنبا لحالات إنفلات حدثت في غزة وفي الضفة تحت شعار الجهاد
والمقاومة المسلحة وقدسية السلاح الخ .لأن المقاومة الشعبية تعني توظيف قوة
الجماهير لمواجهة المستوطنين وجيش الاحتلال الذي يسرح ويمرح في كل ربوع
الضفة ،كنا نتوقع خروج الجماهير بعشرات إن لم يكن بمئات الآلاف بمسيرات عند
نقاط الاستيطان وحواجز الجيش وجدار الفصل العنصري ،ولكن للاسف لم نر من هذه
المقاومة الشعبية إلا مسيرتان أو ثلاثة بعشرات الاشخاص،مسيرات مبرمجة
وبأماكن محددة ومغطاة تلفزيونيا بشكل جيد وعلى رأسها أعضاء بمركزية فتح
وتنفيذية المنظمة يتلفعون بالكوفية وبكسكيت يحمي بشرتهم الناعمة من حر
الشمس، ثم بعد ذلك لم نسمع أو نشاهد ما يدل على وجود مقاومة شعبية.
قد يقول قائل من الصعب تسيير مسيرات كبيرة العدد حتى لا يُستفز جيش
الاحتلال والمستوطنون أو يتسلل لهذه المسيرات عناصر معادية للسلطة من حماس
وغيرها،ومع أن هذا القول مردود عليه فكيف تكون مقاومة شعبية بدون التصادم
مع الاحتلال وقطعان المستوطنين؟وكيف تكون مقاومة شعبية إن لم يُجند فيها كل
الشعب؟،ومع ذلك فسنسلم به وسنقبل من المقاومة الشعبية بأضعف الإيمان وهو
قول كلمة حق وما تقول به القوى والشخصيات التي كانت تعتزم تنظيم ندوة رام
الله هي كلمة حق – رفض العودة للمفاوضات بدون مرجعية وبدون وقف الاستيطان –
ما دام يعبر عن إجماع شعبي بما في ذلك قواعد حركة فتح وقيادات فيها.
لا يمكن تبرير بعض ممارسات الأجهزة الامنية في الضفة ضد من يختلف معها ،وبعضهم
من داخل منظمة التحرير كالذين دعوا للمؤتمر، بما تمارسه حركة حماس في غزة
ضد معارضيها وخصوصا من حركة فتح،فحركة حماس تقود حكومة انقلابية
وأيديولوجيتها ومشروعها لا يمكن أن يؤسسا إلا نظاما شموليا لا يقبل الرأي
الآخر هذا ناهيك أن لا مراهنة عليها لقيادة الشعب الفلسطيني والمشروع
الوطني،فيما يُفترض ان النظام القائم في الضفة – حكومة ومنظمة تحرير وحركة
فتح - يمثل الشرعية والمشروع الوطني ،فلا يجوز أن تكون تصرفات الشرعي ردة
فعل على تصرفات غير الشرعي ومن باب المعاملة بالمثل، لا يجوز لحكومة تقول
بأنها شرعية أن تمارس ما تمارسه حكومة خرجت عن الشرعية !.أيضا لا يجوز
تبرير كل تصرف للأجهزة الأمنية في الضفة بالخوف من سيطرة حماس على الضفة
كما جرى في غزة فنحن ندرك كما يدرك غيرنا أن غزة سُلمت لحماس وبتواطؤ
قيادات كبيرة في فتح والسلطة في إطار مؤامرة كبرى على المشروع الوطني شاركت
فيها إسرائيل،وبالتالي لن يتكرر سيناريو غزة في الضفة فإسرائيل تريد الضفة
لها وحدها.
لقد أصبحت المفاوضات معركة مصيرية للشعب الفلسطيني ما دامت تدور حول قضايا
الوضع النهائي التي ستحدد مصير القضية ولذا يجب إشراك كل الشعب في موضوع
المفاوضات ليكون له راي فيها ولا يجوز أن يبقى المفاوض الفلسطيني خالدا
مخلدا يقود المفاوضات بالفهلوة اللفظية منفصلا عن الشعب وقواه السياسية حتى
التي تؤمن بالسلام العادل، وعلى القيادة الفلسطينية أن تعلم إن علاقة
الصداقة والمصالح القائمة ما بين الفريق الفلسطيني المفاوض والإسرائيليين
تُضعف من قوة المفاوض الفلسطيني على طاولة المفاوضات؟. ومن جهة إخرى فإن ما
يجري في الضفة يستدعي التساؤل حول مرجعية الأجهزة الأمنية،هل هي اللجنة
التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؟هل هي حركة فتح؟هل هي الحكومة برئاسة
الدكتور فياض ؟هل هو الرئيس أبو مازن ؟أم هناك مرجعية أخرى؟ وهل سلوك
الأجهزة الامنية يخدم نهج السلام الذي يقول به الرئيس أبو مازن أم مضرا به
ويخدم سياسات أخرى؟.
27/08/2010
Ibrahem_ibrach@hotmail.com
الموقع الشخصي:
www.palnation.org
من السهل على المرء عندما يكون في صفوف المعارضة أن يرفع من الشعارات
والمبادئ ما يشاء ومن السهل عليه أن يتلفع بكل الأيديولوجيات وبما هو مثير
من الشعارات ما دام وجوده كمعارضة لا يلزمه باختبار شعاراته وأيديولوجيته
عمليا،ولكن من الصعب على رجل الدولة والسياسة المسؤول عن مصالح الأمة
والمُطالب بالتعامل مع القضية الوطنية دوليا في ظل عالم بات معولما، تتصارع
فيه المصالح وتتعقد فيه التحالفات ويتكاثر فيه الأعداء...،من الصعب عليه
قيادة الأمة والتصرف دوليا بنفس خطاب المعارضة ورؤيتها لأن العلاقات
الدولية لا تؤسَس على الشعارات والأيديولوجيات بل على سلوكيات وعلاقات
مادية وملموسة بما يكتنف الممارسة من إمكانية الخطأ. حتى أشد المعارضين
وأكثرهم تطرفا عندما يصلون إلى السلطة عبر الانقلابات أو الانتخابات يغيرون
كثيرا من مواقفهم السابقة ويبتعدون بشكل متدرج عن عالم المُثل والمبادئ ولن
تعوزهم الحجة لتبرير هذا التحول في المواقف. ومع ذلك فكما أن الأمة بحاجة
لرجال سلطة وسياسة يتعاملون مع القانون الدولي والشرعية الدولية ومع عالم
تحكمه المصالح والتوازنات،فهي بحاجة لقوى معارضة وأحزاب يرفعون مبادئ وقيم
وأيديولوجيات تتحدث عن الثوابت والمرجعيات الوطنية.في الأنظمة الديمقراطية
تقوم العلاقة بين الطرفين على التكامل وتوزيع الأدوار وفي هذا الإطار تأتي
مقولة ( لو لم تكن المعارضة لخلقناها ).طهرية المعارضة لا تأتي من صحة
شعاراتها وأيديولوجياتها بل من عدم اختبار هذه الشعارات
والأيديولوجيات،ومساؤئ السلطة لا تأتي فقط من فسادها بل لكونها تمارس
السياسة ومن يمارس مُعَرض للخطأ.
في الحالة الفلسطينية وبالرغم من تحفظنا على وجود سلطة ومعارضة في ظل وجود
الاحتلال لما استتبع هذا الوجود من صراع على سلطة ومواقع حرفت القضية
الوطنية عن مسارها الحقيقي كحركة تحرر وطني يفترض أن يشارك جميع مكوناته في
مواجهة العدو المشترك إسرائيل ،إلا أن الواقع القائم والذي كرس وجود هذه
الثنائية وإن كانت بشكل مبهم ومتداخل، يتطلب وجود سياسة عقلانية لتوظيف
مواقف ومواقع كلا الطرفين بما يخدم المصلحة الوطنية بعيدا عن نهج التكفير
والتخوين.وجود سلطة فلسطينية لا يعني أن مهمتها ممارسة الحكم فقط والتخلي
عن مقارعة العدو الذي يحتل كامل فلسطين أو أنها تملك الحقيقة المطلقة،كما
أن وجود معارضة لا يعني أن مهمتها فقط معارضة السلطة ومقارعتها حتى تتحول
بدورها لسلطة ولا يعنب أن كل طروحاتها وشعاراتها صحيحة .للأسف لقد انزلق
النظام السياسي الفلسطيني بعيدا عن أصوله كحركة تحرر وطني وباتت القضايا
الخلافية بين مكوناته سواء كسلطة ومعارضة أو حكومة غزة وحكومة الضفة أكثر
خطورة وإشغالا للشعب من جوهر القضية وهو مقارعة الاحتلال ،وفي هذا السياق
يأتي الخلاف حول مسألة العودة للمفاوضات .
صدقت قوى المعارضة الفلسطينية من حيث التحذير من خطورة العودة للمفاوضات
بدون مرجعية وبدون وقف الاستيطان وبدون وحدة الموقف الفلسطيني وقد كتبنا في
هذا السياق وحذرنا من خطورة المنحى الذي أخذته المفاوضات في السنوات
الأخيرة والمهزلة التي وضع المفاوض الفلسطيني نفسه بها بحيث بات اداة
لتمرير الرؤية الإسرائيلية للمفاوضات ،وصدقت المعارضة في حديثها عن ضرورة
التمسك بالثوابت الوطنية وعن الحق بالمقاومة،وقد لا يجانبها الصواب عندما
تتحدث عن فاسدين في السلطة والمنظمة وعن أطراف فيهما غير حريصة على المصلحة
الوطنية، إلى آخره من خطاب المعارضة،ولكن ... القضية الفلسطينية مطروحة
دوليا منذ عقود لأنها قضية عادلة ولانها قضية سياسية في منطقة معقدة وخطيرة
عالميا ويرتبط بها قضايا متعددة كما أن هناك قرارات شرعية دولية تلحظ
للفلسطينيين حقوقا حتى وإن كانت دون المطلوب فلسطينيا،وهناك تحول في الرأي
العام العالمي لصالح الشعب الفلسطيني وهناك تزايد في الأصوات المنددة
بإسرائيل وممارساتها والمطالِبة بحق الفلسطينيين بالاستقلال وبدولة خاصة
بهم ،وهناك مأزق تعيشه إسرائيل بسبب تواصل الصمود الفلسطيني داخل وطنهم
وتواصل التمسك بحق العودة وتواصل التمسك الفلسطيني بنهج السلام العادل ،
وفوق ذلك هناك كيان صهيوني يواصل الاستيطان والتهويد في ظل وجود مفاوضات أو
عدم وجودها ... فكيف يتم التعامل مع هذا الواقع دوليا؟وهل مجرد القول برفض
المفاوضات والتنديد بها يكفي؟.هل خطاب رفض المفاوضات يشكل برنامجا وموقفا
سياسيا يمكن به التعامل مع العالم ؟.
إذن خطاب المعارضة حتى وإن كان صحيحا لا يصلح للتعمل به دوليا ،بالمقابل
هناك سلطة وقيادة معترف بها عربيا ودوليا بأنها الممثل الشرعي والوحيد
للشعب الفلسطيني والعالم يتعامل مع منظمة التحرير ورئيسها أبو مازن
باعتبارهما الجهة الوحيدة التي يتم التعامل معها في كل ما يخص القضية سواء
على مستوى قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي الخاصة بالقضية وآلية
تنفيذها أو تعلق الأمر بالحضور الدولي في البعثات والمنظمات الدولية أو
بتقديم الدعم للشعب الفلسطيني أو المسؤولية عن التجمعات الفلسطينية في
الشتات أو تعلق الأمر بالاتفاقات الموقعة مع الإسرائيليين في إطار عملية
السلام .كل الحديث عن الحالة المزرية لمنظمة التحرير وعن فقدانها
لمصداقيتها بل ولصفتها التمثيلية الشعبية وكل ما يقال عن أخطاء وتجاوزات في
المنظمة والسلطة التي أنشاتها الخ حتى وإن كان كلاما صحيحا لن يغير من
الحقيقة والواقع شيئا،إن المنظمة ورئيسها يتحملان مسؤولية التصرف بالشأن
السياسي العام دوليا وحتى الدول العربية والإسلامية المؤيدة لقوى المعارضة
لا تستطيع تجاوز هذه الحقيقة.
الموقع الذي يحتله الرئيس أبو مازن كرئيس لمنظمة التحرير وللسلطة وكجهة
وحيدة معترف بها دوليا يفرض عليه أن يتعامل مع القضية دوليا بمفردات
القانون الدولي والشرعية الدولية وعلى قاعدة الالتزام بخيار السلام الذي هو
خيار عربي أيضا ،وهذه الصفة الرسمية للمنظمة وللرئيس تفرض عليهما التجاوب
مع التحديات المطروحة وعلى رأسها التعامل مع التسوية والمفاوضات ،ولكن يبدو
أن ما آلت إليه أمور المنظمة والسلطة من ترد وكذا الانقسام والصراع الداخلي
ناهيك عن التخاذل الرسمي العربي، كل ذلك جعل الرئيس أبو مازن عاجزا عن قول
لا للمفاوضات ما دامت واشنطن والرباعية والدول العربية تريد أن تستمر
المفاوضات، وهو يعلم في نفس الوقت أن خيار الحرب والمقاومة المسلحة غير
مطروح ولا توجد فرص لنجاحه الآن في ظل محيط عربي قرر اعتماد استراتيجية
السلام.
إن كان الرئيس أبو مازن غير قادر على مواجهة الضغوط الأمريكية والأوروبية
والعربية المطالبة بالعودة لطاولة المفاوضات مع أن تبرير العودة لللمفاوضات
بسبب الضغوط الخارجية فقط غير مقنع لأنه يسقط دور قوى في السلطة أرتبط
مصيرها وارتبطت مصالحها بتمرير مطالب واشنطن وتل أبيب،وإذا كانت المعارضة
لا تملك بديلا للمفاوضات ولنهج التسوية وقولها بأن المقاومة هي البديل
مغالطة وتضليل لأن الشعارات لا تصلح لقيادة شعب والتعامل مع العالم الخارجي...
يصبح مطلوب من الرئيس ومن كل القوى السياسية التفكير الجاد للخروج من
المأزق المشترك.صدقت المعارضة ولكن الرئيس لم يخطئ لاستمراره بالتمسك بنهج
التسوية وبآلية االمفاوضات حيث سبق أن أوقف المفاوضات ولم يتوقف الاستيطان
والتهويد ولم تُنجز مصالحة وطنية تبلور بديلا وطنيا للمفاوضات ولمتاهات
التسوية،وحيث أن المرحلة لا تسمح بمزيد من المهاترات وتسجيل كل طرف موقفا
تجاه الطرف الآخر يجب البحث عن طريقة تُحَول فيها المفاوضات من أداة تخدم
المشروع الصهيوني يوظفها لاستمرار عملية الاستيطان والتهويد إلى أداة
نضالية تدعم المطالب الفلسطينية بالسلام دون تفريط بالحقوق.في هذا السياق
نتمنى على الرئيس أبو مازن إعادة النظر بفلسفة المفاوضات وكيفية إدارتها
وبالفريق المفاوض وأن يتم التمسك بمرجعية المفاوضات الأولى، كامل أراضي 67
مقابل السلام،أو بشكل آخر أن يتم التعامل مع المفاوضات كجزء من المعركة
الشاملة مع إسرائيل ما دام العالم كله مع المفاوضات وما دامت البدائل غير
متوفرة الآن،إذا ما عادت المفاوضات بنفس الفريق المفاوض الذي بات صفحة
مقرؤة لإسرائيل وبنفس الرؤية السابقة للمفاوضات فلن تنتج إلا مزيدا من
النكبات إن لم يكن تصفية نهائية للقضية.
لقد بات واضحا أن ظروف السلام العادل غير متوفرة وأن الإلحاح الأمريكي على
العودة لطاولة المفاوضات يدخل في نطاق استراتيجية إدارة الصراع وليس حله ،وبات
واضحا أن إسرائيل توظف المفاوضات ليس من أجل السلام بل لكسب الوقت لتنفيذ
مخططاتها الاستيطانية والتهويدية،وعلى هذا الأساس على القيادة الفلسطينية
غير القادرة على رفض العودة لطاولة المفاوضات أن تتعامل مع هذه الأخيرة على
قاعدة إدارة الصراع لكسب الوقت دون تقديم تنازلات إلى حين توفر شروط السلام
العادل ،وخلال ذلك تتم عملية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني والمشروع
الوطني على أسس جديدة ،لان كسب معركة المفاوضات والسلام تحتاج لوحدة الموقف
الفلسطيني. القول بأن الرغبة الأمريكية بالعودة للمفاوضات يدخل في نطاق
إدارة الصراع لا يعني غياب مخططات لحل الصراع إن وجدت واشنطن وتل أبيب
ليونة وتخاذلا عند الفريق الفلسطيني المفاوض ،وهنا نحذر من تسوية جديدة
باتت ناضجة تؤسس على واقع الانقسام الفلسطيني وواقع الاستيطان في
الضفة.وللأسف فإن بعض الرافضين للمفاوضات ولنهج التسوية يشاركون في تمرير
التسوية القادمة القائمة على واقع الانقسام من خلال تهربهم من المصالحة
الوطنية وتعايشهم مع حالة الانقسام بل وتعزيزها .
الحالة التي وصلت إليها قضيتنا الوطنية لا تسمح بتسجيل المواقف على بعضنا
البعض كما لا تسمح بالتلاعب بمصير شعبنا تحت أي شعار أو عنوان ،لا عنوان
السلام والمفاوضات ولا عنوان المقاومة والممانعة ،ونتمنى أن تكون النخب
السياسية على قدر من المسؤولية والصدقية لتعترف بأنها جميعا وصلت لطريق
مسدود ،فالذين يتحدثون عن السلام يدركون أن العملية السلمية خرجت عن مسار
السلام الحقيقي ،والذين يتحدثون عن المقاومة يدركون بأن شروط مقاومة مسلحة
قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية غير متوفرة الآن لاعتبارات فلسطينية
وإقليمية ودولية ،والخلل لا يكمن في خيار السلام فنشدان السلام ليس خطأ ،كما
أن الخلل ليس في خيار المقاومة فالمقاومة حق طبيعي وقانوني ما دام يوجد
احتلال وهو حق لا تسقطه اتفاقات ولا إرادات حزبية ،الخلل يكمن في الفصل ما
بين السلام والمقاومة فيما هما وجها عملة واحدة وهي حركة التحرر
الوطني.المطلوب اليوم الإستفادة من الموقع الذي يحتله الرئيس أبو مازن
ومنظمة التحرير وصفتهما التمثيلية على المستوى الدولي والإستفادة في نفس
الوقت بما تتمتع به حركة حماس وقوى المعارضة من شعبية داخل الوطن وخارجة
لرد الاعتبار لمشروع السلام الفلسطيني بصيغته الأولى .المطلوب خلق المصالحة
بين المقاومة والسلام وهي مصالحة ممكنة بل باتت تمثل ضرورة وطنية،يمكن من
خلال تشكيل لجنة وطنية لإدارة المفاوضات التحرر من الضغوط الأمريكية
الرامية لتوظيف المفاوضات لمزيد من كسب الوقت لصالح إسرائيل أو تمرير تسوية
لن تكون لصالح الفلسطينيين .
25/08/2010
Ibrahem_ibrach@hotmail.com
الموقع الشخصي:
www.palnation.org
الموقع الشخصي:
www.palnation.org
|