|
| |
|
جان عزيز |
|
مئة
ألف دولار ثمن القلق لكل مواطن
في الأخبار اليوم
طيلة عقدين على الأقل من الزمن، كان أحد الباحثين في علم الاجتماع السياسي
يسأل نفسه: ما سر هذه المفارقة، في أن يقف جورج حاوي طيلة أيام السنة مع
العمال والكادحين، وأن يكتفي في المقابل بيار الجميل باستعراض الروكسي،
ليلتفّ المسيحيّون حول الثاني، وتظل تتملّكهم «النقزة» حيال الأول؟ بل كيف
لهؤلاء أن يتحفّظوا على طروحات مفصّلة حول مشروع للبنان، ويؤيدوا من يكتفي
بطرح السؤال عليهم: أيّ لبنان نريد؟
طبعاً تأويلات رومانسيي نظريّات الجماعات، كانت تذهب فوراً نحو فرز في
التقويم على أساس الأحكام القيمية. من نوع أن المسيحيين في لبنان كيانيون
في الدافع والمنطلق، فيما الآخرون حصصيّون، أمّا الواقع، فحتماً غير ذلك.
ففيه شيء من ثنائية اليمين واليسار. اليمين هو من في السلطة، يعتمد خطاباً
سياسياً أساسه «المحافظة» عليها. بينما اليسار خارج السلطة، يتبنى خطاباً
جوهره «التغيير». وأفضل خطاب للحفاظ على سلطة المسيحيين في ذلك اللبنان،
كان الخوف على الكيان. فيما أنجع خطاب لتغييرها، كان كشف عجزها وفشلها...
في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، تبدو كل الجماعات اللبنانية وقد
أصبحت غارقة في الذهنية المسيحية القديمة. وقد يكون الأمر مفهوماً
لناحيتين: الأولى حالة الاصطفاف الجماعاتي الشديد الانقسام، وثانيها تذرُّر
السلطة وتوزعها بنسب مختلفة على الجماعات كافة، بما يكفي لتعميم نمط
التعاطي المسيحي السابق مع الدولة، لدى الجميع من دون استثناء. والتعميم
المذكور نجده في الخطاب المركزي لكلا الفريقين المتنازعين اليوم في لبنان.
والخطابان يلتقيان ـــــ على تناقضهما ـــــ عند مفاهيم «كيانية»، من القلق
والخوف، إلى «المقاومة» كل وفق منظاره وعلى طريقته.
فريق الأكثرية الحكومية مطمئن علناً أو ضمناً، إلى خطاب الخوف على قاعدة
عنصرين اثنين: الخوف من سلاح حزب الله، والخوف من عودة الوصاية السورية،
علماً بأن الخوف المعبَّر عنه في كلام المسؤولين يهدف فعلياً إلى «التخويف»
في إدراك الناس وانطباعاتهم.
في المقابل، يرفع بعض الفريق الآخر خطاب الخوف من عنصرين آخرين: توطين
اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتحويل المحكمة الدولية حصان طروادة لتسلل
المشاريع العدوة من الخارج الى الداخل.
وبمعزل عن مقدار صحة تلك العناوين وحيثياتها ووقائعها، يظل الأكيد أن نتيجة
الخطابين الفورية هي سقوط الخطاب السياسي المطلبي، وانعدام المساحات
المشتركة، التي تكوّنها في المجتمعات، سياسات النضال المواطني، فضلاً عن
تفلت السلطات ـــــ بسبب ذلك ــــــ من أي مراقبة أو مساءلة أو محاسبة، وفق
أصول النظام الديموقراطي عموماً والبرلماني خصوصاً.
وفي هذا المجال، تبدو الأمثلة كثيرة غزيرة. من السياسة المالية للدولة، إلى
المشاريع الإصلاحية المختلفة، وصولاً الى التصورات الأكبر من الدولة، من
نوع مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، انتهاءً بأي حركة مطلبية
بسيطة أو جسيمة، أكانت للجامعة اللبنانية أم لمعلمي المدارس الرسمية أم
للضمان وصندوقه أم لأهالي ضحايا الطائرة الإثيوبية أم لعامل أجنبي ظلمته
عنصريّتنا المقنّعة... كلّها تسقط في هوامش أولويّات سياساتنا وبقايا
اهتمامات مواطنينا... لأن هؤلاء كما تلك، مسكونون ومهجوسون بخطابات الخوف
الكبرى المتقابلة، كما بمقتضياتها الوطنية و«الكيانية» العامة.
ومن النتائج القليلة المشتركة بين ضفتي الصراع، لهذا الواقع، هو ازدهار
القلق، قلق أخطر ما فيه، هو بداية تكوّن انطباعات جماعية لدى قواعد
المعسكرين، بأن مشروع الدولة في لبنان قد فشل. وأن كل المحاولات الجزئية أو
المجتزأة، العرجاء أو الصائبة، والتي تمت محاولتها بالمجادلة والخطأ منذ
«حدث العام 2005»، قد سقطت وثبت عجزها. وهو ما أعاد إلى الأذهان
والانطباعات، صورة أن الاحتمالات المقبلة ـــــ على تنوعها ـــــ أكثر
سوداوية وتلبّداً من الواقع الراهن. حتى إن بعض المحللين في الداخل والخارج
عادوا إلى التنظير لمقولة «الدولة الفاشلة»، وإلى طرح فرضيات السيطرة
الخارجية، أو الحرب الأهلية، أو استمرار حروب الاستنزاف الصغيرة، صيغة
ثابتة للوطن الهش...
في سياق البحث في مفاعيل القلق، يروي أحد العارفين أن متوسط إنفاق الفرد
اللبناني الساعي إلى معاملة هجرة طمعاً بجواز سفر أجنبي، هو مئة ألف
دولار... فهل من إحصاء لأثر ذلك على الادّخار العام للّبنانيين. وعلى
ناتجهم الوطني، نتيجة انكفائهم عن كل ما له علاقة بقضايا هذا الناتج؟ |
|
عودة الى اعلى الصفحة |
| |
|
|
|
|
|
|
.............................. |
|
|
|
|
|